بين “تطهير” الذوق العام و”نكسة” الحريات: قراءة في حملة المتابعات القضائية

إيطاليا تلغراف

 

 

 

بقلم: محمد الوسطاني

 

شهدت الساحة الإعلامية والرقمية المغربية مؤخرًا تصعيدًا لافتًا تمثل في حملة متابعات واعتقالات طالت عددًا من صُنّاع المحتوى على القنوات الخاصة ومغني الشوارع، بتهم تتعلق بـ”تخريب الذوق العام”، ونشر “الفضائح مسيئة لاشخاص ذاتيين أو مؤسسات عامة”، واستعمال “لغة خادشة للحياء يعاقب عليها القانون”.
تثير هذه التحركات القضائية حزمة من التساؤلات العميقة حول دوافعها، طبيعتها، وتأثيرها على المشهد المجتمعي والقيمي والقانوني في المملكة الشريفة مملكة المفهوم الجديد للسلطة والذي دشن مع العهد الجديد قبل ربع قرن. فهل نحن أمام “صحوة ضمير” مؤسساتية تسعى لترميم القيم، أم هي “ردة حقوقية” تجاه فضاء التعبير الرقمي؟
# جدلية الضبط الاجتماعي وحرية التعبير
إن الإشكالية المطروحة هي صراع بين قطبين: ضرورة الضبط الاجتماعي وحماية الذوق العام من جهة، واحترام هامش حرية التعبير والإبداع من جهة أخرى. لا يمكن إنكار أن جزءًا كبيرًا من المحتوى الذي تقدمه هذه القنوات ومن يقدم هذا المحتوى قد وصل إلى مستويات تدني قصوى، سواء في اللغة المستخدمة أو الموضوعات المعروضة، مما يجعله يشكل قدوة سلبية للأجيال الشابة، خاصة في غياب أطر قيمية متينة تحتضنها الأسرة والمدرسة.
في هذا السياق، يمكن النظر إلى الحملة على أنها محاولة لـ”تشذيب” المحتوى الرقمي وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من “الهاوية القيمية” التي يسير نحوها المجتمع. فإفراز “نجوم” بفضل المتابعات بالملايين، وهم لا يقدمون سوى الرداءة والفضائح، هو مؤشر خطير على أزمة في المنظومة القيمية والاستهلاكية للمحتوى.
# هل هي حملة “تطهير” أم تطبيق للقانون؟
يشير البعض إلى هذه المتابعات باعتبارها “قنابل صوتية” سياسية أكثر منها قضائية، غايتها إيصال رسالة واضحة مفادها أن “الدولة حاضرة” ووجهها الـمُنظِّم والصارم لا يقل قوة عن وجهها الناعم الداعم للحريات. ويستحضر هذا الطرح مقارنات تاريخية مع حملات سابقة ذات طبيعة قوية طالت شخصيات مثيرة للجدل، مثل متابعة “الديب” في طنجة أو “السليماني” في الدار البيضاء.
غير أن الحكم على هذه الحملة بكونها “تطهيرًا” أو مجرد تطبيق للقانون يتوقف على عاملين أساسيين:
* التأطير القانوني: يجب أن تكون المتابعات مؤطرة قانونيًا بدقة متناهية، بعيدًا عن التفسيرات المطاطية لمفاهيم مثل “الإخلال بالآداب العامة” أو “الإساءة للذوق العام”. يجب أن تحترم الإجراءات القانونية والحقوقية كافة لضمان عدم الانزلاق إلى تكميم الأفواه بذريعة الحفاظ على الأخلاق.
* الاستمرارية والشمولية: إذا كانت النية هي فعلاً إصلاح الذوق العام، فيجب أن تكون الحملة مستدامة، وأن تطال كافة أشكال الإسفاف المنتشرة في الفضاءات الرقمية والعمومية، وأن تتمتع بشفافية عالية.
التحدي الجذري: إعادة بناء المنظومة القيمية
إن التعويل على المقاربة الأمنية والقضائية وحدها، حتى لو كانت ضرورية على المدى القصير، هو حل مُسَكِّن لا يعالج جوهر المشكلة. إن التدني الأخلاقي والقيمي الذي نراه في الفضاءات الرقمية هو نتيجة لـتآكل متسارع في المؤسسات القيمية الأساسية التي ذكرتها: الأسرة، المدرسة، والإعلام العمومي.
* الأسرة: ضعفت وظيفتها التربوية أمام الغزو الرقمي.
* المدرسة: تحولت في كثير من الأحيان إلى مجرد فضاء لنقل المعرفة دون بناء القيم.
* الإعلام العمومي: فشل في تقديم قدوات بديلة ومحتوى رصين وجذاب يستقطب الجماهير الشابة بعيدًا عن الإسفاف.
الخروج من هذه الهاوية يتطلب تفكيرًا جديًا وعلى المدى البعيد لإعادة الاعتبار لهذه المؤسسات.
كما يجب ضخ استثمارات نوعية وفق رؤية واضحة في التعليم والثقافة والإعلام الهادف، لإعادة بناء منظومة قيمية صلبة تكون قادرة على تكوين مناعة ذاتية لدى الأفراد ضد المحتوى الهابط، بدلاً من الاعتماد على العصا القانونية لـقمع النتائج دون معالجة الأسباب. على ان يكون المسؤول عن تنفيذ ذلك ذا رؤية واضحة ومؤهل سياسيا واخلاقيا وقيميا لا بحثا عن البوز والاصوات الانتخابية للتحكم والحكم ضمن حكومة المونديال التي تسيل اللعاب بميزانياتها المتوقعة
في الختام، تبقى حملة المتابعات القضائية هذه اختبارًا حقيقيًا لموازنة السلطات بين واجب الحماية الأخلاقية للمجتمع واحترام سقف الحريات الفردية والعامة. نتمنى أن تكون هذه الخطوة بداية لتأطير قانوني شامل للفضاء الرقمي، يرافقه انخراط فعّال من قبل جميع المؤسسات لإعادة توجيه “سفينة القيم” المغربية نحو بر الأمان.

إيطاليا تلغراف

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...