عبد الله مشنون
كاتب صحفي ومحلل سياسي مقيم في إيطاليا
مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة والاسلام.
شهدت الجالية المسلمة في إيطاليا خلال السنوات الأخيرة تحديات كبيرة على الصعيد الاجتماعي والديني والثقافي، إلا أن بعض الشخصيات كانت بمثابة نقاط التقاء وقوة توحيد. ومن بين هذه الشخصيات، يبرز الإمام محمد شاهين كرمز للوحدة والتضامن، ومثال حي على قدرة القيم الإنسانية والدينية على جمع الناس حول قضية مشتركة، وتعزيز الوعي المجتمعي بالحقوق والواجبات.
الإمام محمد شاهين لم يكن مجرد إمام مسجد يؤدي واجبه الروحي تجاه المصلين، بل كان شخصية محورية في مسجد عمر ابن الخطاب بطورينو من أجل توحيد المسلمين داخل المجتمع الإيطالي بالمدينة. من خلال خطبه، برامجه الثقافية، ولقاءاته المجتمعية، استطاع طبعا مع بعض الطيبين دعاة وفاعلين وأئمة ممن يحملون نفس الهم والهدف أن يخلق مساحة مشتركة للقاء وتبادل الأفكار بين مختلف أطياف الجالية، سواء كانت من أصول عربية أو شمال أفريقية، أو مختلفة المذاهب. هذا الدور لم يكن تقليديًا، بل كان عملية بناء جسور ثقة وتعاون بين أفراد المجتمع المسلم، مما ساعد على تخفيف الانقسامات الداخلية وتعزيز روح التضامن والعمل المشترك.
ما يميز تجربة الإمام شاهين ومن سلك طريق الدعوة في مدينة طورينو هو كيف أن جهوده أسهمت في بناء جسور تواصل بين المسلمين وغير المسلمين. فقد أظهرت مواقف التضامن والتعاون مع القضايا المجتمعية المختلفة أن الوحدة ليست مقتصرة على المسلمين فقط، بل تشمل القدرة على العمل المشترك مع المجتمع الإيطالي، والظهور كمثال حي على العيش المشترك والاحترام المتبادل بين الثقافات والأديان.
قضية الإمام شاهين تطرح سؤالًا جوهريًا: هل من الحكمة أن تظل الجالية المسلمة في إيطاليا منقسمة إلى مجموعات صغيرة تتصارع فيما بينها على مصالح ضيقة؟
الجواب الواضح هو لا. القوة الحقيقية للجالية المسلمة تكمن في توحيد الجهود حول القضايا الجوهرية، مثل الدفاع عن الحقوق القانونية، تعزيز التعليم الديني والثقافي، السعي الى اعتراف الدولة الايطالية بالاسلام كدين وحماية الحرية الدينية والاجتماعية والثقافية. فبدون إطار منظم وموحد، تصبح الجالية أقل تأثيرًا، وأكثر عرضة للتهميش أو إساءة الفهم من قبل المجتمع الأكبر.
إننا من خلال هذا المقال لا نقلل من قيمة الجهود التي تبذلها الجمعيات والمساجد والمؤسسات والمعاهد الإسلامية القائمة في إيطاليا، فكل جمعية ومؤسسة لها تاريخها وعملها المجتمعي المميز. ولكن، ما ندعو إليه هنا هو تفعيل مبدأ الاتحاد والتواصل بين هذه المؤسسات والجمعيات الاسلامية المختلفة، رغم اختلاف مناهجها وانتماءاتها، بحيث يبقى الهدف المشترك نشر الدين الإسلامي، خدمة الجالية المسلمة، الدفاع عن حقوقها، وتعريف المجتمع الإيطالي بالدين الإسلامي وقيمه السمحة. هذه الوحدة ليست تهديدًا لأي عمل قائم، بل تعزز من تأثير كل مؤسسة وتجعل جهودها أكثر تنسيقًا وفعالية.
إن الوقت قد حان لتوحيد الجهود بين جميع الجمعيات والمؤسسات الإسلامية في إيطاليا، والعمل بروح التعاون والاتحاد، مع الحفاظ على هويتهم وبرامجهم الخاصة. فالتنسيق المشترك لا يقلل من قيمة أي مؤسسة او جمعية، بل يعزز تأثيرها ويضاعف قدراتها على خدمة الجالية المسلمة، والدفاع عن حقوقها، وتعريف المجتمع الإيطالي بالدين الإسلامي وقيمه السمحة. هذه الخطوة ليست رفاهية، بل ضرورة عملية لضمان حضور قوي وموحد، ولتعزيز رسالة الإسلام السمحة في كل أنحاء إيطاليا.
الاسلام كما يعرف الجميع يجسّد عدة قيم أساسية يمكن أن تكون نموذجًا لبناء وحدة مستدامة بين المسلمين هنا في ايطاليا:
العدالة والحق: الدفاع عن مصالح الجالية بشكل عادل وشفاف.
التآخي والاحترام المتبادل: بناء الثقة بين مختلف الأعراق والمذاهب داخل الجالية.
المسؤولية المدنية: المشاركة الفاعلة في المجتمع الإيطالي، بما يعزز صورة المسلمين كمواطنين ملتزمين وقادرين على التفاعل البناء.
القدوة في التضامن: إلهام الآخرين للعمل الجماعي، وتحويل القيم الدينية إلى أفعال ملموسة تخدم المجتمع بأسره.
إن التجربة تعلمنا أن الجالية المسلمة في ايطاليا بحاجة إلى هيئة أو إطار مشترك يجمع جميع الأطياف ويحدد أولويات العمل المشترك. هذا الإطار يمكن أن يكون منصة للدفاع عن الحقوق القانونية، تعزيز الحوار بين الأديان، دعم المبادرات التعليمية والثقافية، والمشاركة في الشؤون الاجتماعية والسياسية في إيطاليا.
من خلال هذا الاتحاد، يمكن للجالية المسلمة أن تصبح قوة إيجابية فاعلة، قادرة على حماية مصالحها، وتعزيز صورة المسلمين كمواطنين مسؤولين، متضامنين، وملتزمين بالقانون والأخلاق.
الدرس الأساسي من قضية الإمام محمد شاهين هو أن الوحدة لا تتحقق بالكلام أو الاجتماعات النظرية فقط، بل بالأفعال والمواقف الحقيقية. فعندما يواجه المجتمع تحديات أو مواقف تتطلب الدفاع عن الحقوق والكرامة، يظهر التضامن الحقيقي من خلال العمل المشترك والمبادرات المدنية، وليس فقط من خلال الشعارات.
إن الجالية المسلمة في إيطاليا أمام فرصة تاريخية لتكون نموذجًا للوحدة والتعاون، على غرار ما جسّده الإمام محمد شاهين. فالشهامة والحكمة والأخلاق تقتضي أن تتحد الجهود، وأن يتحول التنوع إلى مصدر قوة، وليس سببًا للتشتت والانقسام. هذه الوحدة ليست فقط لمصلحة الجالية نفسها، بل تعكس صورة المسلمين كمواطنين ملتزمين، قادرين على العمل المشترك، والمساهمة الفاعلة في بناء مجتمع إيطالي متماسك ومتنوع.
في الختام، تبقى الوحدة والتعاون بين أفراد الجالية المسلمة في كل مكان ضرورة ملحة. ففي ظل التحديات التي يواجهها المسلمون في مجتمعاتهم المختلفة، يظل التلاحم والتضامن سبيلًا لتحقيق الاندماج والازدهار، ونموذجًا يُحتذى به للأجيال القادمة. إن تعزيز هذه الوحدة يتطلب منا جميعًا العمل على نشر قيم التسامح والتفاهم، وتوحيد الجهود لمواجهة التحديات المشتركة.
اللهم اجعلنا من الذين يسعون في وحدة صف الجالية المسلمة كدعاة خير في هذا البلد،موحدين في الهدف والنية، وبارك في أعمالنا وأقوالنا. آمين.





