علاقات روسيا وإيران ليست كما يظهر لك على السطح

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

مازن النجار
باحث في التاريخ والاجتماع.

 

منذ القرن الـ18، كانت روسيا القيصرية ألد أعداء الدولتين العثمانية والقاجارية (بلاد فارس)، وتولت كبر تقطيع أوصالهما واستنزافهما. وأثارت إثنيات البلقان المسيحية للانسلاخ عن الدولة العثمانية. وأطلق القيصر ألكسندر الثاني تعبير “الرجل المريض” عليها؛ تمهيدا وتبريرا لغزوها وقضمها، وتقويض وجودها، مما أدى لتفاقم نفوذ بريطانيا وفرنسا اللتين استدعاهما رجال التنظيمات، أمثال الصدر الأعظم مصطفى رشيد باشا؛ لمواجهة الخطر الروسي الداهم.

ومنذ سعت روسيا القيصرية بالقرن الـ19 لنفوذ بالمشرق على شكل قنصليات وإرساليات ومدارس وبعثات استشراق، عمدت لبسط سيطرتها وحمايتها على الأقليات المسيحية الأرثوذكسية، واستقطبت أبناءها في بعثات تعليمية بموسكو وسان بطرسبورغ. وكانت بذلك تحاكي فرنسا التي بسطت حمايتها على الموارنة والكاثوليك، وبريطانيا التي بسطت حمايتها على الدروز، ضمن حملات منسقة لاختراق واستقطاب ولاء رعايا السلطنة العثمانية، وشملهم بالحماية أفرادا وجماعات.

أعباء ثقيلة ونقانق فاسدة

وعندما قام الاتحاد السوفياتي، استمر اهتمام موسكو بالمشرق أو “عربستان”، كما في أدبيات الحزب الشيوعي السوفياتي، وذراعه الخارجية منظمة الاشتراكية الدولية الثالثة “الكومنترن”، التي تولت رعاية الأحزاب الشيوعية حول العالم. بقي الاتحاد السوفياتي حتى نهاية الحرب العالمية الثانية (1917-1945)، “الدولة الاشتراكية الوحيدة” في العالم، وشاع هذا الاصطلاح بالأدبيات السوفياتية بتلك الفترة.

بنهاية الحرب، سيطرت الأحزاب الشيوعية على معظم وسط وشرق أوروبا، وتكونت الكتلة الاشتراكية المرتبطة بالسوفيات: سياسيا وأيديولوجيا، وعسكريا (حلف وارسو)، واقتصاديا (الكوميكون، أو مجلس التعاون بين الدول الاشتراكية كإطار اقتصادي جامع).

مثلت هذه الترتيبات، في سياق الحرب الباردة، أعباء ثقيلة ناءت بها موارد موسكو، ويقال إن الزعيم السوفياتي ليونيد بريجنيف (1906-1982)، كان بالغ التكدر والانزعاج من وطأة هذه الأعباء وطلبات زعماء دول الكتلة الاشتراكية الذين أطلق عليهم تعبير “السجق الفاسد، أو النقانق الفاسدة”.

قريب من ذلك كانت علاقات السوفيات بأصدقائهم وحلفائهم بالعالم الثالث، مثل مصر وسوريا اللتين تعرضتا ومعهما الأردن لعدوان إسرائيل في يونيو/حزيران 1967، وأدى لاحتلال إسرائيل سيناء، وقطاع غزة، والضفة الغربية، والقدس، وهضبة الجولان السورية. تولى السوفيات إعادة تسليح قوات مصر وسوريا، وتدريبها وإمدادها بآلاف الخبراء.

ولكن ضمن التوازن الإستراتيجي بين السوفيات والغرب، بحيث كانت قدرات وكميات السلاح السوفياتي المقدم لمصر وسوريا تكفي لتوازن إستراتيجي محدود مع الكيان الصهيوني المسلح أمريكيا؛ بما يحقق الدفاع، ومنع الانهيار أو الهزيمة. لكن لم يكن كافيا لهزيمة الكيان وتهديده وجوديا.

كان هذا التمهيد ضروريا قبل تحليل العلاقات الروسية الإيرانية الراهنة، وإعادة تركيب مفاهيمها وغاياتها وأطرها، كما يتصورها الطرفان، وخاصة في سياق الحرب الأخيرة على إيران ومآلاتها القادمة.

منظومة تحوط إستراتيجي

هل تمثل العلاقات الروسية الإيرانية تحالفا رسميا أم شراكة براغماتية محدودة الثقة، ضمن إطار أوراسي أوسع لمقاومة الإكراه الغربي، ومنع العزلة الإستراتيجية؟

مؤخرا، رأت أوساط الإعلام والسياسة الغربية لقاء أبريل/نيسان 2026 بين وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، والرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بسان بطرسبورغ، دليلا على توطيد “التحالف” الروسي الإيراني. لكن خبراء في العلاقات الدولية رأوا ذلك تأطيرا يخفي أكثر مما يظهر. فما يتبلور ليس تحالفا تقليديا، بل علاقة تكيف مشروطة تاريخيا، تفهم كـ”تقارب إستراتيجي بلا ثقة”، ضمن “بنية أوسع لمكافحة الإكراه”.

يؤكد الباحثان في العلاقات الدولية، جون ميرشايمر، وبول غرينييه، أهمية هذا التمييز؛ لأنه يتحدى ميل الأوساط الغربية لتفسير توجه إيران نحو روسيا دليلا على عزلتها وتبعيتها. فطهران لا تعهد بأمنها لموسكو، بل تنوع عمقها الإستراتيجي. وتعد روسيا عقدة أساسية بمنظومة تحوط إستراتيجي أوسع تضم الصين، وشركاء إقليميين، ومنصات متعددة الأطراف كمجموعة “بريكس بلس” و”منظمة شنغهاي للتعاون”. والهدف ليس التبعية، بل تعزيز الصمود.

أعباء التاريخ: ذاكرة وانعدام ثقة وحسابات إستراتيجية
لا يمكن فهم العلاقات الروسية الإيرانية دون إدراك خلفياتها التاريخية. فمعاهدتا جوليستان (1813) وتركمانجاي (1828)، كرستا مكاسب إقليمية روسية على حساب بلاد فارس عقب الحروب الروسية الفارسية، وهما راسختان في الذاكرة الإستراتيجية الإيرانية كحلقات خسائر إقليمية وقيود خارجية مفصلية. ولا يزال هذا الإرث التاريخي يشكل الحذر الإيراني المعاصر.

عززت حقبة السوفيات انعدام الثقة. فبعد الحرب العالمية الثانية، دعمت موسكو حركات انفصالية بأذربيجان إيران، كحكومة أذربيجان الشعبية في تبريز بقيادة جعفر بيشهوَري، ومكنت قيام جمهورية مهاباد (الكردية) قصيرة الأجل بقيادة قاضي محمد، خلال احتلال القوات السوفياتية شمال إيران (1945-1946). وعزز هذا- بجانب العلاقة الأيديولوجية المتوترة بين السوفيات والجمهورية الإسلامية بعد عام 1979- تصورا إيرانيا لموسكو كقوة مستعدة لاستغلال أي ضعف إيراني لتحقيق مكاسب إستراتيجية.

بعد السوفيات، ظلت السياسة الروسية مشروطة. فقد أيدت موسكو قرارات مجلس الأمن الدولي بشأن العقوبات على البرنامج النووي الإيراني، بما في ذلك القرارات: 1737 و1747 و1803 و1929. وتذرعت بالقرار 1929 لتعليق تزويد طهران بمنظومة الدفاع الجوي “إس-300” في سبتمبر/أيلول 2010.

مع ذلك، ظلت روسيا عنصرا محوريا في مفاوضات “مجموعة 5+1” النووية، فدعمت تقييد تخصيب اليورانيوم مع استمرار دورها في بناء مفاعل بوشهر، وترتيبات الوقود النووي، وتنفيذ الاتفاق النووي. وقد كشف دورها المتعدد، شريكا ووسيطا وضابطا، عن قيمة الدعم الروسي وحدوده.

بحسب ميرشايمر وغرينييه، يفسر هذا علاقة إيران بروسيا، فلا توافق أيديولوجيا، بل هو شك محسوب. علاقة بلا عاطفة ولا ثقة كاملة، بل علاقة براغماتية شكلتها الضرورة. يعتمد كلا الجانبين على الآخر بمجالات محددة، ويتجنبان الاعتماد المفرط. هذا جوهر “التقارب الإستراتيجي بلا ثقة”، علاقة تعاون حقيقي، لكن الثقة مشروطة.

تعاون شامل ولا تحالف رسميا

في سياق الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، يلاحظ أن دور روسيا ليس “إنقاذ” طهران عسكريا بالمعنى التقليدي. بل الإطار الأدق أن هدف روسيا ضمان عدم عزلها أو استنزافها أو هزيمتها إستراتيجيا. ويتخذ الدعم الروسي لإيران أشكالا متعددة:

دبلوماسيا، توظف موسكو موقعها بمجلس الأمن الدولي لعرقلة وإضعاف جهود عزل إيران، وإعادة صياغة الصراع بطرق تلقى صدى لدى الدول غير الغربية. ورغم غموض التعاون الاستخباراتي، فالمرجح أنه يشمل صور أقمار صناعية، واستخبارات الإشارات والاتصالات، وإرشادات عملياتية تعزز وعي إيران بالوضع حولها.
تكنولوجيا، تساهم روسيا بتعزيز قدرات إيران الدفاعية كمنظومات الدفاع الجوي، وخبرات الحرب الإلكترونية، وقدرات عسكرية أخرى تعقد العمليات الأمريكية الإسرائيلية.
اقتصاديا، وسع البلدان آليات الالتفاف على العقوبات، كتبادل العملات، والتعاون بمجال الطاقة، ونظم المدفوعات البديلة. ويتزايد تكامل هذه الجهود بمبادرات أوسع متعددة الأطراف كمجموعة “بريكس بلس”. وكل هذا لا يتطلب تحالفا رسميا. يكفي أن تظل إيران منخرطة دبلوماسيا، وقادرة عسكريا، ومجدية اقتصاديا، ومرنة (صامدة) إستراتيجيا. هذا وحده يكفي لإحباط أهداف الإكراه الأمريكي الإستراتيجية.
نظام أوراسي.. بنية معيارية لمكافحة الإكراه
يرصد الباحثان أن الأهمية الأعمق لهذه العلاقات ليست في دينامياتها الثنائية فحسب، بل في دورها ضمن نظام أوسع. فثمة بنية معيارية تتبلور لمكافحة الإكراه: شبكة مرنة مصممة لمنع عزل أو إكراه أي دولة على الخضوع لضغوط الغرب.

يختلف هذا النظام جوهريا عن هياكل التحالف الغربي. فلا يقوم على بنود دفاع مشترك، أو التزامات مؤسسية جامدة، بل شبكات متداخلة وشراكات ثنائية، ومنصات متعددة الأطراف، وترتيبات اقتصادية، وآليات تنسيق عسكري. تعزز هذه العناصر القدرة على الصمود دون اشتراط التوافق التام.

تعد معاهدة “الشراكة الإستراتيجية الشاملة” الإيرانية الروسية، التي وقعها الرئيسان فلاديمير بوتين، ومسعود بزشكيان في 17 يناير/كانون الثاني 2025، أوضح تعبير مؤسسي لهذا المنطق. فبينما توسع المعاهدة نطاق التعاون ليشمل الدفاع والطاقة والتجارة والتكنولوجيا، فإنها تفتقد نظير “المادة الخامسة” بميثاق حلف الناتو، التي تفرض دفاعا مشتركا، وهو إغفال مقصود. فموسكو وطهران لا تنشئان تحالفا رسميا، بل إطارا تنسيقيا لتعزيز قدرة الصمود، وحفظ الاستقلالية، وخفض القابلية للإكراه.

أقر البرلمان الإيراني المعاهدة في مايو/أيار 2025، مما يعكس ترددا إيرانيا طويلا في الانضمام لتكتلات أمنية ملزمة، ويفهم بشكل أفضل كترتيب إستراتيجي طويل الأمد وليس اتفاقا عسكريا.

وهذا التمييز جوهري، فكثيرا ما يفسر مراقبون غربيون التعاون الأمني من منظور حلف الأطلسي: إما أن يتضمن الاتفاق التزامات دفاع جماعي تلقائية، أو يعتبر رمزيا. لكن النموذج الروسي الإيراني مختلف، فقيمته ليست في خوض أحد الطرفين حروب الآخر، بل تعزيز قدرتهما على مواجهة الضغوط، مما يصعب عزلهما، أو فرض عقوبات عليهما، أو استنزافهما إستراتيجيا.

يلاحظ ميرشايمر وغرينييه أنه ضمن هذا الإطار الأوراسي الأوسع نطاقا لمناهضة الإكراه، تتباين الأدوار. توفر روسيا عمقا إستراتيجيا وتكنولوجيا عسكرية وتحصينا دبلوماسيا. وتساهم إيران بقدرات غير متناظرة وشبكات إقليمية. أما الصين، فتقدم نطاقا اقتصاديا وبدائل مالية. توفر منصات مثل “بريكس بلس” و”منظمة شنغهاي” تنسيقا وشرعية، لكنها لا توفر تحالفا. فهي لا تلزم الأعضاء بتوحيد مواقفهم، أو تقديم العون في الأزمات، أو إخضاع الأولويات القومية لانضباط التكتلات.

والعبرة الأهم أن هذا النظام هو رد فعل على السياسة الغربية ذاتها. فلم تؤدِ العقوبات والتدخلات العسكرية وجهود عزل الخصوم لتفتيت هذه الدول، بل شجعتها على التكيف والتنسيق. والنتيجة ليست كتلة جامدة، بل “بيئة” إستراتيجية مرنة تحفظ استقلالية الدول، وتوفر حماية جماعية ضد الضغوط. والتنسيق لا يعني التزاما.

تُعزِز هذا المنطق تجربة روسيا الموازية بأوكرانيا. فالحرب ليست صراعا إقليميا، بل هي حرب بالوكالة تشنها أمريكا وحلف الأطلسي ضد روسيا. وهذا يعكس تجربة إيران الطويلة مع الضغوط الغربية. وهكذا، أصبحت أوكرانيا وإيران مسرحين مترابطين ضمن صراع أوسع على بنية النظام الدولي.

الحدود والحذر والمسار المستقبلي
رغم هذا التقارب، تبقى علاقة روسيا بإيران مقيدة بحدود بنيوية. فعقيدة إيران الإستراتيجية تبرز الاستقلالية. وبينما تعمق تعاونها مع روسيا، تواصل توسيع علاقاتها بالصين، وتعزيز شبكاتها الإقليمية، وتستثمر في قدراتها المحلية. الهدف ليس الاعتماد على التحالفات، بل بناء مرونة متعددة المستويات.

بدورها، تتخذ روسيا موقفا حذرا مماثلا. فقد استنزفت حرب أوكرانيا مواردها، وفاقمت حساسيتها تجاه الإفراط في التوسع. ورغم قيمة إيران كشريك بمواجهة نفوذ أمريكا، فلا يرجح أن تدخل موسكو ارتباطا ملزما يورطها في صراعات تتجاوز أولوياتها المباشرة.

يرجح ميرشايمر وغرينييه أن يتحدد مسار هذه العلاقة مستقبلا بتعميق التعاون دون تحالف رسمي. وسيتوسع التكامل الاقتصادي والتنسيق العسكري والاصطفاف الدبلوماسي، خاصة ضمن أطر متعددة الأطراف. وسيبقى منطق “التقارب الإستراتيجي دون ثقة” قائما.

لذا، فأفضل فهم للقاء عراقجي وبوتين ليس ترسيخ التحالف، بل إشارة لنظام يتطور. فهو يعكس عالما تنظَم فيه القوة عبر شبكات مرنة لا كتل جامدة، حيث الضرورة تحرك التعاون وليس الثقة، وحيث تولِد جهود الإكراه (الأمريكي) باطراد أشكال تنسيق تحد من فاعليتها.

الخلاصة: في هذا النظام الناشئ، لا تعد روسيا وإيران حليفتين بالمعنى التقليدي، بل شريكتين في بناء منطق إستراتيجي جديد، لا يبتغي هيمنة على النظام الدولي، بل يجعل الهيمنة نفسها عسيرة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة ايطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...