د. الحبيب ناصري
إهداء إلى الذين رحلوا عن تكادة
كلام لابد منه (على سبيل التقديم)
من الصعب، وفي زمن عولمة مرعبة، بل وفي زمن رقمي، علب الإنسان والحياة، من أجل بيعهما، أن نوثق لذاكرتنا المغربية الشعبية، بمعزل عمن نبش فيها، ودافع عنها بلغة شعبية تشبهنا في فرحنا وأحزاننا. مغربنا، يعيش اليوم، كبقية شعوب العالم، نوعا من “تطاحن” القيم والأذواق. أكيد فلكل جيل، رؤيته، وفهمه لهذا العالم. لكن لابد من الاشتغال على ما يجمعنا جميعا. فهل على سبيل المثال، من الممكن محو ما ميز ذاكرتنا المغربية الشعبية الجماعية، من لدن زحمة رقمية تمزق أحشاءنا كل يوم بل كل رمشة عين؟ .
يبدو أنه كلما حوصرنا بهذا الكم الرقمي الهائل الذي يخلخل الأذواق، ويدفع، بشكل قصدي أو غير قصدي، في اتجاه ما يمكن تسميته، ب”حضارة الخواء”، نطرح قضية الذاكرة الجماعية بكل مكوناتها، ل”نحتمي” بها ونمسك ما بداخلها من مكونات فنية وثقافية وإنسانية، لعلها تذكرنا بزمن مجد فني، كان فيه الفن، يحمل هما، وقضية، وفرحا، وحزنا.. فن يشبهنا في تفاصيل “تمغربيت” التي هي رأسمال مغربي جماعي، به نؤكد وجودنا في الزمان والمكان.
ضمن هذه السياقات التي طرحتها، بشكل مختزل، في السطور السابقة، أستحضر طبيعة تلك الظواهر الغنائية الجماعية الشعبية المغربية، التي ظهرت خصوصا في زمن السبعينيات، لتعبر عن أسئلة مغربية جماعية طرحت خلال هذه المرحلة. فن شعبي نحت من الذاكرة الشعبية المغربية الجماعية، التي لا يعرف من قاله ولا من غناه. كل ما يعرف عنه، أنه فن ولدته القبيلة أو الجماعة ليعبر عن فرحها وحزنها.
من هذه الذاكرة الجماعية البدوية المغربية (كلمات ولحن ورقص وطقوس..) الخصبة والغنية بتلويناتها المتعددة، الضاربة في عمق الجغرافية المغربية المتعددة (عيطة وملحون وغرناطي وأندلسي وكناوي وسوسي وجبلي وحساني وبلدي ..)، ولدت العديد من الفرق الغنائية الشعبية الجماعية مثل الغيوان، وتكدة، وجيل جيلالة، ولمشاهب، ومسناوة، الخ، لتعلو صيحاتها المعبرة عن جراحنا وأفراحنا..
تاكدة .. الصوت الشعبي الراقص فينا
لم تكن مجموعة تكدة، بعيدة عن السياقات الجماعية التي ذكرت سابقا، ولو بشكل مختزل. بل كانت حاضرة في تجاذباتها. من رحمها ولدت. كانت ولادة شرعية حصلت من خلالها على اعتراف شعبي مغربي، من الممكن أن نسرد بعض تفاصيله كالتالي :
1/ على مستوى الكلمات
كل متونها الشعبية التي غنت، هي من بيئة مغربية شعبية ضاربة في “تمغربيت” في شقها البدوي الغني. كلمات منحوتة من تربة بدوية مغربية شعبية عريقة، مما جعل هذه المجموعة تساهم في توثيق العديد من البنيات المعجمية البدوية الشعبية التي حضرت في أغانيها (مثال أغنية خالي محمد)، وهي اليوم تردد من لدن من يغنيها بمناسبة من المناسبات. كلماتها تشبهنا في فرحنا. متونها المغناة تستحق، أن تكون موضوع بحوث عديدة، لاسيما وأنها بقيت وفية لتعبيرات مغربية بدوية أصيلة.
2/ على مستوى الألبسة
بقيت المجموعة وفية للباس المغربي. وهو ما حولها إلى خطاب ثقافي شعبي مغربي، مارس ويمارس دبلوماسية شعبية مغربية ناعمة، خصوصا حينما تكون خارج المغرب. فكيف يمكن لمن ينازعنا في هويتنا الثقافية الشعبية أن ينزع عنا صفة ملكيتها، وهي، حاضرة في غنائنا بل وحتى في جراحنا بما في ذلك مآتمنا؟.
تمكنت هذه المجموعة أن ترسخ، من خلال الألبسة المغربية التقليدية التي بقيت وفية لها على امتداد أكثر من نصف قرن، طبيعة مغربية وأصبحت أيقونة بصرية جمالية، تحضر فينا رائحة بلادنا المغربية الشعبية الضاربة في التاريخ وقدم الجغرافيا، بل تحولت هذه المجموعة الشعبية المغربية إلى قطعة تاريخية شعبية جماعية مشتركة، تمثل امتدادا مغربيا حاضرا في العديد من الجغرافيات الدولية، مما يجعل الكل يقول : هذه مجموعة مغربية.
3/ على مستوى اللحن
لحن نبش من ذاكرة اللحن الشعبي المغربي، الحاضر فينا وفي بوادينا وسهولنا بكل مكوناتها الأمازيغية والعربية والكناوية والحسانية.. لحن استحضر “تمغربيت” ولم يبتعد عنه، ليبقى وفيا لهذه الذاكرة الجماعية الشعبية المغربية، وهو ما جعل العديد من الأجيال تتفاعل وترقص على إيقاعاتها لأنها وجدت ضالتها فيها.
4/ على مستوى الرقص
غناء المجموعة، لما تغنيه، يقدم وفق ثنائية الكلمة والجسد. أي أن أغانيها، تقدم أيضا بنوع من تحريك جسد المجموعة، بشكل فردي/جماعي. إيحاءات رقصية منحوتة بدورها من عوالم التبوريدة والفلاحة والزراعة.. حركات رقصية بدورها مشبعة من عوالم المغرب الشعبي (التبوريدة وغيرها).
5/ امتدادات ثقافية شعبية للمجموعة
الغناء مكون واحد من مكونات هذه المجموعة الغنائية الشعبية، بجانب حضور آخر على مستوى المسرح والعمل التلفزيوني (مسلسلات). طبعا فالمجموعة تحمل بين طياتها العديد من التجارب المسرحية المغربية التي تشبه رؤيتها الشعبية للحياة، بل تشبه طبيعة رؤية/رؤيا المغربي الشعبي، والذي يعيش في البادية، وفي الأحياء الشعبية المغربية داخل المدينة المغربية الشعبية (باعتبارها امتدادا طبيعيا للبادية المغربية).
ماذا بقي منها ولازال ؟
طبعا المجموعة، تمكنت من مقاومة العديد من الهزات الزمنية التي عاشتها داخليا وخارجيا (على مستوى تنظيمها وعلى مستوى المتغيرات المغربية)، بل على امتداد أكثر من نصف قرن، تمكنت تكدة من البقاء صامدة في وجه العديد من الرياح. لم تنجرف وراء قشور الغناء الذي صنعته اللحظة (غناء يشبه الأكلة السريعة). بقيت، هذه المجموعة، وفية لأسلوبها الفني الشعبي، خصوصا وأنها معبرة ليس فقط على فهمها للفن كمجموعة، بل هي في نهاية المطاف تغني بأسلوب فني شعبي مغربي، معبر على روح مغربية شعبية، وهذه حجة تجعلنا نؤمن بأنها مجموعة معبرة عن وعي/لا وعي شعبي مغربي، أي أنها، بجانب بقية الفرق المغربية الغيوانية، جزء من الرأسمال الثقافي الشعبي المغربي الجماعي.
طبعا لابد من توثيق الذاكرة التكادية، بوسائط سمعية وبص17رية متعددة، باعتبارها جزءا من ذاكرتنا الغنائية الشعبية الجماعية. لقد تمكنت هذه المجموعة من أن توفر لنا متنا ثقافيا شعبيا، قابلا لتحليله وتفكيكه وفق العديد من المقاربات. فمن خلال هذا المتن الغنائي والمسرحي والتلفزي، الخ، من الممكن السفر في عوالم مغربية بدوية شعبية، مما قد يساهم في ترسيخ ثقافة شعبية مقاومة ل”ثقافة” المحو التي أصبحت تطغى على حياتنا، خصوصا، في هذا الزمن الرقمي الذي تزداد فيه أجيال عديدة وفي فمها ملعقة مرصعة بالذكاء الاصطناعي الذي استحوذ على ذاكرتنا الحقيقية.
على سبيل الختم
لم تعد هذه المجموعة وبقية المجموعات الغيوانية، مثل الغيوان وجيل جيلالة ولمشاهب ومسناوة، الخ، مجرد جزء من ذاكرتنا المغربية الشعبية الجماعية، بل هي أيضا بمثابة جزء من أرشيفنا الشفهي الشعبي.. به نقرأ كيف كنا وكيف نحن اليوم؟.
رحم الله والدتي التي كانت تحب غناء تكادة.. لأنها كانت ترى فيها أصولها البدوية الشعبية العريقة.. كانت ترى فيها العديد من تفاصيل حياتها التي محتها المدينة، في زمن عولمة “تطحن” كل ما هو محلي شعبي.. وبهذا المحو نفقد زمننا الثقافي الشعبي الجماعي والإنساني..
ويبقى صوت تكادة .. من الأصوات التي تشبه تربتنا المغربية الشعبية الجماعية البدوية.





