نبيل التّويول / إيطاليا تلغراف –
تمثل قنطرة سلاس الواقعة بجماعة الوردزاغ شمال المغرب، نموذجا دالّا على تحولات عميقة عرفتها البنى التحتية الاستعمارية بعد نهاية وظيفتها الأصلية، حيث انتقلت من كونها أداة سيطرة ونقل لوجيستي، إلى عنصر تراثي محمّل بدلالات تاريخية، بيئية، وذاكراتية متعددة. و تسعى هذه المادة الصّحافية إلى تحليل أبعاد القنطرة بوصفها إرثا ماديا ذا بعد دولي، يختزل عبقرية الهندسة الفرنسية، وتعقيدات الذاكرة الاستعمارية، وإمكانات الدبلوماسية الثقافية المعاصرة، في سياق العلاقات المغربية–الفرنسية المتجددة.
الكلمات المفتاحية (Keywords)
التراث الاستعماري – الهندسة الحديدية – أماكن الذاكرة – المغرب – فرنسا – الدبلوماسية الثقافية – السياحة الثقافية
1 و تقف قنطرة سلاس، بمحاذاة مواقع محطة القطار القديمة، وعلى مقربة من الكنيسة والمرفق السياحي AU LAPIN QUI FUME، باعتبارها أكثر من منشأة تقنية نجت من تقادم الزمن، إذ تحولت، مع مرور العقود، إلى وثيقة مادية مفتوحة على قراءات متعددة، تستدعي التاريخ، والهندسة، والذاكرة، والسياسة، في آن واحد. فكما هو حال كثير من البنى التحتية التي شيّدت في السياقات الاستعمارية عبر العالم، لم تعد القنطرة تقرأ فقط من زاوية وظيفتها الأصلية، بل باعتبارها عنصرا من عناصر التراث الصناعي العالمي.
السياق الإمبراطوري للهندسة الحديدية الفرنسية
يأتي تشييد قنطرة سلاس ضمن المشروع الواسع الذي قادته فرنسا خلال النصف الأول من القرن العشرين لتحديث شبكات النقل في مستعمراتها، وهو مشروع شمل شمال إفريقيا، وغربها، وجنوب شرق آسيا، واعتمد على الهندسة الحديدية كأداة فعالة لضبط المجال، وتسريع الحركة العسكرية، وضمان تدفق الموارد نحو المراكز الاقتصادية الأوروبية.
وتعكس القنطرة، من حيث تصميمها الفولاذي وقدرتها الاستثنائية على مقاومة التعرية والصدأ، مدرسة هندسية فرنسية راهنت على الديمومة، حتى في البيئات الجبلية والمناخية الصعبة، وهو ما يفسر استمرار صمودها رغم مرور أكثر من قرن على تشييدها.
وكانت قنطرة سلاس مرفقا حيويا لعبور القطارات المحمّلة بالبضائع والمؤن، قبل أن تفقد هذه الوظيفة مع إعادة هيكلة شبكات النقل. غير أن تشييد سد الوحدة أدخل القنطرة في مسار دلالي جديد، إذ غمرتها المياه ثم انحسرت عنها، دون أن تنهار بنيتها، لتتحول موضوعيا إلى مؤشر بصري على منسوب المياه، وهو ما يربطها اليوم بإشكاليات عالمية معاصرة تتعلق بتغير المناخ، وتدبير الموارد المائية، واستدامة البنى التحتية التاريخية.
قنطرة وذاكرة:
لا يمكن تناول قنطرة سلاس دون استحضار بعدها الذاكراتي المؤلم، إذ ارتبط محيطها، في مرحلة الاضطرابات والمقاومة المغربية، بممارسات قمعية جسيمة، شملت إعدامات خارج نطاق القضاء نفذتها السلطات الاستعمارية في حق عشرات المواطنين. وتندرج هذه الوقائع ضمن تاريخ عالمي لانتهاكات حقوق الإنسان في السياقات الاستعمارية، ما يمنح القنطرة مكانة خاصة بوصفها موقع ذاكرة (Lieu de mémoire)، لا يختزل في رمزية تقنية، بل يستدعي قراءة نقدية أخلاقية للتاريخ.
في السياق الدولي الراهن، ومع تطور العلاقات المغربية–الفرنسية، لا سيما بعد الاعتراف الفرنسي بالسيادة المغربية الكاملة على الصحراء المغربية في عهد الرئيس إيمانويل ماكرون، تبرز قنطرة سلاس كفرصة لإعادة تأطير هذا الإرث الاستعماري ضمن منطق الدبلوماسية الثقافية، التي تعتمدها العديد من الدول لتحويل مواقع الذاكرة المعقدة إلى فضاءات للحوار، والتبادل الأكاديمي، والتنمية المحلية.
وتدرك الساكنة المحلية للوردزاغ أن تثمين هذا الإرث لا يعني تمجيد الماضي الاستعماري، بل محاولة لإعادة تملكه سرديا، وإدماجه في مشاريع السياحة الثقافية، والبحث العلمي المشترك، بما يحوّل القنطرة إلى رأسمال رمزي ولا مادي ذي بعد دولي.
إن قنطرة سلاس، بصمودها أمام الصدأ، والتعرية، والماء، وبما تختزنه من طبقات آركيولوجية تاريخية متداخلة، تقدم نموذجا لما يمكن أن يكون عليه التراث في القرن الحادي والعشرين: تراث لا ينكر ماضيه، ولا يستثمر ضده، بل ليعاد توظيفه في أفق إنساني مشترك. فهي جسر لا يعبر وادي ورغة فحسب، بل يعبر تاريخا مركبا بأكمله، ويقترح على العالم درسا في كيفية تحويل إرث إشكالي إلى أداة للحوار العابر للحدود.





