ألطاف موتي
كاتب باكستاني باحث سياسي واقتصادي
يخيم مشهد من “حافة الهاوية” على منطقة الخليج العربي في الوقت الراهن. ومع دخولنا شهر فبراير 2026، بلغت حدة التصريحات بين واشنطن وطهران ذروتها. فقد لوّحت الإدارة الأمريكية بجاهزية عسكرية قصوى، رداً على ما تصفه بالتحركات الإيرانية المزعزعة للاستقرار. في المقابل، أعادت طهران إحياء تهديدها الأكثر تأثيراً: إغلاق مضيق هرمز.
بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، لا يمثل هذا الصراع مجرد أزمة سياسية عابرة، بل هو تهديد مباشر لعماد استقرارها الاقتصادي وخططها الطموحة لمرحلة “ما بعد النفط”.
مضيق هرمز: شريان الحياة المهدد
يعد مضيق هرمز الشريان الطاقي الأهم عالمياً، حيث يمر عبره نحو 20% من إجمالي تجارة النفط المنقولة بحراً. ويمثل هذا الممر المائي المخرج الأساسي لثروات دول الخليج.
إن تنفيذ طهران لتهديداتها بزرع الألغام أو عرقلة الملاحة سيؤدي إلى تداعيات فورية. ويتوقع المحللون قفز أسعار النفط لتتجاوز 120 دولاراً للبرميل. ورغم أن الارتفاع في الأسعار يخدم المصدرين عادة، إلا أن الحصار الشامل سيبقي النفط الخليجي “عالقاً” في خزاناته؛ إذ ستتوفر الإمدادات ولكن سيغيب المنفذ.
* السعودية: يمتلك خط الأنابيب (شرق-غرب) قدرة على نقل 5 ملايين برميل يومياً إلى البحر الأحمر، لكن هذا يغطي نصف الطاقة الإنتاجية فقط.
* الإمارات: يوفر خط أنابيب “حبشان-الفجيرة” مخرجاً على خليج عمان، لكن طاقته الاستيعابية تقتصر على 1.5 مليون برميل يومياً.
هذا العجز في التصدير سيؤدي إلى فجوات هائلة في الإيرادات وعجز متزايد في الميزانيات العامة.
علاوات مخاطر الحرب: التكلفة الخفية
حتى في حال عدم اندلاع نزاع مسلح مباشر، فإن “حرب الكلمات” تفرض ضغوطاً مالية باهظة. بدأت قطاعات الشحن البحري تعاني بالفعل من ارتفاع “علاوات مخاطر الحرب”.
لقد قفزت تكاليف التأمين على الناقلات التي تدخل الخليج من 0.3% إلى 0.5% من قيمة السفينة في أوائل عام 2026. بالنسبة لناقلات النفط العملاقة، يعني هذا زيادة قدرها عشرات الآلاف من الدولارات لكل رحلة. وفي نهاية المطاف، يتحمل المستهلكون هذه التكاليف، لكنها في المدى القريب تضعف تنافسية الصادرات الخليجية وتعرقل سلاسل الإمداد العالمية.
التأثير المحتمل للنزاع الوضع الحالي المؤشر الاقتصادي
120+ دولاراً 75 – 80 دولاراً سعر النفط
0.5% – 1.0%علاوة 0.2% – 0.3%علاوة تأمين الشحن
انكماش ملحوظ 4.5% (متوقع) نمو دول الخليج
هروب رؤوس الأموال حذرة ثقة المستثمرين
طموحات التنوع الاقتصادي تحت المجهر
قد يقع الضرر الأكبر طويل الأمد على القطاعات غير النفطية. تمر دول مثل السعودية والإمارات بتحولات اقتصادية جذرية؛ حيث تعتمد مشاريع مثل “رؤية 2030” بشكل جوهري على الاستثمار الأجنبي المباشر وازدهار قطاع السياحة.
المستثمر يبحث دائماً عن الاستقرار. وتشير دراسات حديثة إلى أن قرابة 40% من المستثمرين الدوليين يصنفون التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط كأكبر خطر يهدد استثماراتهم. فإذا تحولت المنطقة إلى ساحة حرب محتملة، فإن التدفقات النقدية اللازمة للمشاريع الكبرى مثل “نيوم” أو مراكز التكنولوجيا في الإمارات قد تتوقف.
بالإضافة إلى ذلك، ترتبط العملات الخليجية بالدولار الأمريكي. وأي اضطراب في الأسواق المالية الأمريكية نتيجة التوترات سيؤثر سلباً على قيمة أصول الصناديق السيادية الخليجية، مما يقلص “الهامش المالي” الذي تعتمد عليه هذه الدول لتمويل خطط التنويع.
الدبلوماسية: المخرج الضروري
رغم ضجيج المناورات العسكرية، تلوح في الأفق بوادر لـ “مخارج دبلوماسية”. وتبذل أطراف إقليمية مثل قطر وعُمان وتركيا جهوداً حثيثة لجمع المسؤولين من واشنطن وطهران على طاولة المفاوضات.
تجد دول الخليج نفسها في موقف معقد؛ فهي حليف استراتيجي للولايات المتحدة وتستضيف قواعد عسكرية كبرى، لكنها في الوقت ذاته جارة لإيران. أي هجوم ينطلق من أراضيها قد يستدعي رداً إيرانياً يطال محطات تحلية المياه، وشبكات الكهرباء، ومصافي النفط. لذا، تظل “التهدئة” هي الاستراتيجية الاقتصادية الأهم للرياض وأبوظبي. بالنسبة لدول الخليج، الحرب مع إيران ليست صراعاً بعيداً، بل هي كارثة محلية. إن نموذجهم الاقتصادي القائم على التحول لمركز عالمي للتجارة والسياحة لا يمكن أن يزدهر في منطقة عمليات قتالية.
كلمة أخيرة
تتمتع اقتصادات الخليج اليوم بمرونة أكبر مما كانت عليه قبل عقود، لكنها تظل رهينة أمن مياهها. ومع أن ارتفاع أسعار النفط قد يوفر مكاسب مؤقتة لمن يستطيع التصدير، إلا أن التكلفة الاستراتيجية للحرب ستكون تقويض “الحلم الخليجي” الحديث.
ومع تقدمنا في أيام فبراير 2026، تقف المنطقة على حد السيف. ستحدد الأسابيع القادمة ما إذا كان الخليج سيمضي قدماً في طريق التحديث الاقتصادي، أم سيُجبر على العودة إلى دوامة النزاعات الإقليمية المستنزفة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





