ذ. أحمد براو
من الرباط
حين جئت إلى المغرب لقضاء شهر رمضان، وجدت نفسي أمام صدمة ثقافية لم أتوقعها. فالنظرة السائدة هنا إلى الهجرة ليست باعتبارها بابًا للتجارب أو وسيلة للرزق، بل كأنها مشكلة في حد ذاتها. كثيرون لازالوا يزدرون المهاجرين ويصفونهم بـ”الحراقة”، أي أولئك الذين يركبون قوارب الموت بحثًا عن حياة أفضل. هذا التوصيف لا يكتفي بالتحقير، بل يختزل ظاهرة إنسانية عميقة في صورة سلبية، ويغفل أن الهجرة كانت عبر التاريخ وسيلة للبحث عن الكرامة، ولها جذور دينية وحضارية لا يمكن إنكارها.
– الجذور الدينية للهجرة
الهجرة ليست مجرد ظاهرة اجتماعية أو اقتصادية، بل هي جزء من تاريخ الرسالات السماوية. إبراهيم عليه السلام هاجر من أرضه طلبًا للأمن والعبادة، وموسى عليه السلام خرج ببني إسرائيل من مصر فرارًا من ظلم فرعون، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم هاجر من مكة إلى المدينة في أعظم حدث غيّر مجرى التاريخ الإسلامي. هذه الهجرات لم تكن هروبًا، بل كانت فتحًا وتمكينًا، وبداية لبناء مجتمعات جديدة قائمة على الإيمان والعدل. إن استحضار هذه الجذور يذكّرنا بأن الهجرة يمكن أن تكون مشروعًا حضاريًا، وليست مجرد اضطرار اقتصادي.
– الهجرة كرافعة اقتصادية البلد الأم
الأرقام تكشف بوضوح أن الهجرة ليست عبئًا على المغرب، بل موردًا استراتيجيًا. تحويلات المهاجرين المغاربة بالخارج تتجاوز دخل الفوسفات والسياحة مجتمعين، وهو ما يجعلها أحد أعمدة الاقتصاد الوطني. والأهم هو أن هذه الأموال لا تدخل فقط في حسابات البنوك، بل تصل مباشرة إلى الأسر، فتساهم في تعليم الأبناء، علاج المرضى، وتحسين مستوى العيش في القرى والهوامش. إنها أموال تُضخ في شرايين المجتمع، وتخفف الضغط على الدولة في مجالات أساسية مثل الصحة والتعليم والنفقات اليومية والشهرية مثل الكراء والكهرباء وغيرها من تكاليف الحياة التي يدتثقل الأسر الهشة، فكيف يمكن أن نصف مصدرًا بهذا الحجم بأنه “مشكلة”؟
– الهجرة جسر لنقل التجارب والمعرفة
المهاجر لا يحمل معه المال فقط، بل أيضًا خبرات وتجارب مهنية وعلمية اكتسبها في الخارج. الطبيب المغربي في فرنسا، المستثمر في إيطاليا، المهندس في ألمانيا، الباحث في كندا، كلهم يراكمون معارف يمكن أن تتحول إلى قيمة مضافة للوطن إذا وُجدت إرادة سياسية طموحة وفعالة لاحتضانها. فشبكات العلاقات التي يبنيها المهاجرون في أوروبا وأمريكا تفتح أبوابًا للتعاون الاقتصادي والثقافي، وتضع المغرب في قلب التفاعلات العالمية. إنهم ليسوا مجرد أفراد يبحثون عن لقمة العيش، بل جسور حقيقية بين المغرب والعالم. كما تساهم الهجرة في زخم القوة الناعمة والموازية لأن الجالية المغربية بالخارج ليست مجرد أرقام في الإحصاءات، إن مغاربة العالم سفراء غير رسميين ينقلون الثقافة المغربية ويعززون صورتها عالميًا. نجاحات المغاربة في ميادين العلم والفن والرياضة تجعل من الهجرة قوة ناعمة تعزز مكانة المغرب في العالم. حين يسطع اسم مغربي في جامعة مرموقة أو في بطولة رياضية، فإن ذلك ينعكس على صورة الوطن بأكمله. هذه القوة الناعمة لا تُقدَّر بثمن، وهي جزء من الرصيد الاستراتيجي الذي يجب أن يُستثمر بذكاء.
– شرط الإرادة السياسية
لكي تتحول الهجرة من “هجرة اضطرار” إلى “رافعة استراتيجية”، يجب أن تكون هناك سياسات واضحة لاحتضان المهاجرين. تسهيل الاستثمار، دعم مبادرات العودة المؤقتة لنقل الخبرات، وإشراك الجالية في صنع القرار، كلها خطوات ضرورية لتحويل هذه الطاقة الهائلة إلى مشروع وطني. المشكلة ليست في المهاجرين، بل في غياب رؤية سياسية تجعل منهم شركاء حقيقيين في التنمية.
– ختام
الهجرة ليست أزمة كما يُصوَّر لها، بل فرصة استراتيجية إذا أحسنّا استثمارها. المغرب يمكن أن يجعل من جاليته قوة اقتصادية وثقافية تضاهي أهم موارده الطبيعية. المطلوب فقط أن نغيّر زاوية النظر: من احتقار “الحراقة” إلى احتضان المهاجرين باعتبارهم شركاء في بناء المستقبل.





