حين يتحول التاريخ إلى ساحة حرب رقمية: تلاعب الجزائر بالسردية التاريخية المغربية على ويكيبيديا.

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

الدكتور عبد الله بوصوف
الأمين العام لمجلس الجالية المغربية بالخارج

 

لم يعد الصراع بين الدول في العصر الحديث مقتصرا على الحدود أو السياسة أو الاقتصاد، بل امتد ليشمل مجالا أكثر حساسية وتأثيرا، وهو مجال الذاكرة التاريخية. فمع صعود الفضاء الرقمي وتحول الإنترنت إلى المصدر الأول للمعلومة لدى ملايين الناس، أصبحت المنصات المفتوحة ساحة جديدة للصراع الرمزي بين الدول. وفي هذا السياق برزت في السنوات الأخيرة ظاهرة ما يمكن تسميته بالحرب الرقمية على التاريخ، حيث تحاول بعض الأطراف إعادة صياغة السرديات التاريخية بما يخدم مواقفها السياسية أو الهوياتية.

وقد كشفت صحيفة لاراثون الإسبانية في تقرير لها عن ما وصفته بمحاولات منظمة للتلاعب ببعض المعطيات التاريخية المرتبطة بالمغرب داخل موسوعة ويكيبيديا، وذلك عبر تعديلات متكررة تستهدف صفحات تتعلق بتاريخ وهوية المغرب. ويشير التقرير إلى أن بعض هذه التعديلات تأتي من حسابات مرتبطة بنشطاء جزائريين، في إطار صراع رقمي غير معلن بين الجزائر والمغرب.

تكمن خطورة هذه الظاهرة في أن ويكيبيديا لم تعد مجرد موقع إلكتروني عادي، بل أصبحت المرجع الأول الذي يعتمد عليه عدد هائل من المستخدمين والطلاب والصحفيين في الحصول على المعلومات. لذلك فإن أي تعديل في صفحاتها قد ينعكس مباشرة على الطريقة التي يفهم بها الناس التاريخ والهوية. ومن هنا تحولت بعض صفحات الموسوعة إلى ساحة مواجهة رقمية، حيث يحاول كل طرف فرض روايته الخاصة للأحداث التاريخية.

ومن الأمثلة التي أثارت جدلا واسعا مسألة تاريخ تأسيس الدولة المغربية. فقد ظهرت في بعض الصفحات والنتائج الرقمية معطيات تحصر تأسيس المغرب في سنة 1956، أي سنة الاستقلال عن الاستعمار الفرنسي. غير أن هذا الطرح يتجاهل قرونا طويلة من التاريخ السياسي للمغرب، ويختزل مسار دولة عريقة في لحظة حديثة من تاريخها. فالمغرب، في نظر المؤرخين، ليس دولة نشأت في القرن العشرين، بل كيان سياسي ضارب في عمق التاريخ، تعود جذوره إلى قيام الدولة الإدريسية في نهاية القرن الثامن الميلادي على يد إدريس الأول، وهو الحدث الذي شكل بداية تشكل الدولة المغربية المستقلة في الغرب الإسلامي.

كما يمتد الجدل إلى مجالات أخرى تتعلق بالتراث والثقافة. ففي السنوات الأخيرة ظهرت محاولات لنسب بعض عناصر التراث المغربي إلى الجزائر، سواء تعلق الأمر بالأزياء التقليدية أو المطبخ أو بعض الفنون الشعبية. ورغم أن التراث المغاربي بطبيعته متداخل نتيجة التاريخ المشترك بين شعوب المنطقة، فإن محاولة إعادة نسب بعض الرموز التاريخية والثقافية بشكل أحادي تثير الكثير من الجدل والنقاش.

إن ما يحدث اليوم يعكس تحولا عميقا في طبيعة الصراع بين الدول، حيث أصبحت المعركة تدور أيضا حول كتابة التاريخ وتحديد الرواية التي ستنتشر في الفضاء الرقمي. فالدول التي تدرك أهمية هذا المجال تسعى إلى ترسيخ سرديتها التاريخية عبر الإعلام والبحث العلمي والمنصات الرقمية، بينما قد تلجأ أطراف أخرى إلى التلاعب بالمحتوى المفتوح من أجل التأثير في الوعي العام.

لكن في المقابل، لا ينبغي النظر إلى هذه الظاهرة باعتبارها قدرا محتوما، لأن طبيعة ويكيبيديا نفسها تقوم على المراجعة المستمرة والتدقيق الجماعي للمعلومات. فالموسوعة تسمح بتصحيح الأخطاء وإزالة التعديلات غير الموثقة عندما يتدخل محررون آخرون ويقدمون مصادر تاريخية موثوقة. وهذا يعني أن المعركة الحقيقية لا تكمن في الشكوى من التلاعب، بل في الحضور الفعال داخل الفضاء الرقمي عبر تقديم المعرفة الموثقة والمستندة إلى الدراسات الأكاديمية.

إن الدفاع عن التاريخ المغربي في العصر الرقمي لم يعد مسؤولية المؤرخين وحدهم، بل أصبح مسؤولية جماعية تشمل الباحثين والجامعات والمؤسسات الثقافية وحتى المستخدمين العاديين الذين يمتلكون القدرة على المساهمة في نشر المعلومات الصحيحة. فالتاريخ الذي لا يُكتب في الفضاء الرقمي يظل عرضة لأن يُكتب من طرف آخرين.

وفي نهاية المطاف، يظل تاريخ المغرب أقدم وأعمق من أن يُختزل في تعديلات عابرة على صفحات الإنترنت. فالدول التي تمتلك عمقا تاريخيا وحضاريا مثل المغرب لا يمكن محو ذاكرتها أو تغيير حقيقتها ببضعة أسطر على منصة رقمية. ومع ذلك فإن اليقظة المعرفية تبقى ضرورية، لأن معركة الوعي في العصر الحديث قد تبدأ أحيانا من صفحة في موسوعة إلكترونية، لكنها تمتد لتؤثر في صورة الأمم وهويتها في أعين العالم


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...