تسوية تحت القصف وحربٌ لن تنتهي بانتصار

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

توفيق الحميدي
محامي وناشط حقوقي من اليمن.

 

لا يبدو أن الولايات المتحدة تسعى إلى إنهاء حربها المشتركة مع إسرائيل ضد إيران بقدر ما تعمل على إعادة تعريفها. ما يجري ليس مجرّد مواجهة عسكرية بين دولتَين، بل هي محاولة لإعادة رسم طريقة إدارة الأزمات في عالمٍ لم يعد يعمل وفق قواعده القديمة. الحرب هنا ليست هدفاً بحدّ ذاته، بل أداة للسيطرة على مساحات التوتّر وضبطها، وتحويلها إلى مناطق خاضعة لإدارة مباشرة بدل أن تبقى خارج السيطرة. هذا ما يفسّر التناقض الظاهر في المشهد: تصعيد عسكري يترافق مع حديث عن مفاوضات، ضربات تُعلَن ثم تُؤجل، خطاب حادّ يقابله حراك دبلوماسي متسارع. هذه ليست فوضى، بل نمط متكرّر في إدارة الصراع، إذ تُستخدم القوّة لفرض شروط الطاولة لا لحسم المعركة. في هذا السياق، لا تُفهم الحرب مساراً ينتهي بانتصار، بل عمليةً مستمرّةً لإعادة ضبط التوازن. ولكن هذا المسار لا يتحرّك في الفراغ، بل يُبنى على ميزان قوّة معقّد.

الهدف الفعلي للحرب دفع إيران إلى منطقة وسطى: دولة غير مهزومة لكنّها مُقيّدة في قدراتها

تدخل الولايات المتحدة هذه المواجهة وهي تمتلك تفوّقاً عسكرياً وتقنياً واضحاً، وقدرة على التحكّم في النظام المالي العالمي، وشبكة تحالفات واسعة تمتدّ عبر الخليج وأوروبا. غير أنّ هذه القوّة، رغم حجمها، ليست مطلقة؛ فهي مقيّدة بكلفة الانخراط الطويل، وبحساسية الأسواق، وبضغوط داخلية سياسية واقتصادية تجعل أيَّ حربٍ مفتوحةٍ عبئاً يصعب تحمّله. في المقابل، لا تمتلك إيران أدوات القوّة التقليدية نفسها، لكنّها تمتلك ما يكفي لتعقيد أيّ مواجهة. الجغرافيا تمنحها موقعاً حاسماً على مضيق هرمز، وقدرتها على التأثير في الممرات الحيوية تمنحها أداة ضغط تتجاوز حدودها. إلى ذلك، تمتلك شبكة نفوذ إقليمي وخبرة طويلة في إدارة الأزمات تحت العقوبات، ما يجعلها قادرة على الصمود أكثر ممّا يُفترض عادة. هذا لا يمنحها تفوّقاً، لكنّه يمنحها قدرةً على رفع كلفة الحرب إلى مستوى يجعل الحسم مستبعداً.
عند هذا التوازن غير المتكافئ، يظهر العامل الحاسم الذي يعيد تعريف الصراع: الاقتصاد. فالحرب لم تعد مجرّد مواجهة عسكرية، بل أصبحت تهديداً مباشراً للنظام الاقتصادي العالمي. أيُّ تعطيل مستمرّ لمضيق هرمز لا يعني فقط ضغطاً على خصوم إيران، بل اضطراباً واسعاً في أسعار الطاقة وتكاليف الشحن وسلاسل الإمداد. ولا يقتصر هذا التأثير على طرف دون آخر، بل يمتدّ إلى حلفاء واشنطن أنفسهم، وإلى اقتصادات كبرى في أوروبا وآسيا. وهنا، لا تعود الحرب قراراً سيادياً خالصاً، بل أزمة عالمية تُفرض حدودها من خارجها.
في هذه اللحظة تحديداً، تتشكّل نقطة التحوّل. ليست لحظة إعلان رسمي، بل لحظة إدراك متبادل بأنّ الاستمرار سيكلّف أكثر ممّا سيحقّق. هذا الإدراك لا يؤدّي إلى وقف فوري للحرب، بل إلى تغيير طبيعتها. فبدل أن تتجه نحو التصعيد الكامل، تتحوّل إلى أداة تفاوض، إذ يُدار الصراع من داخل الحرب نفسها. هذا ما يُعرف اليوم بنمط “التفاوض تحت القصف”، فتصبح الضربات جزءاً من الرسائل التفاوضية لا مقدّمة لنهاية عسكرية. ضمن هذا السياق، تُفهم الشروط المطروحة. الحديث عن “تسليم اليورانيوم” أو “تدمير البرنامج الصاروخي” لا يعكس بالضرورة أهدافاً قابلة للتحقيق الكامل، بل يمثّل سقفاً تفاوضياً مرتفعاً. فأميركا تعرف أنّ التيار الصلب العسكري – الأمني هو من يحارب ويفاوض. ومن ثم، سيكون من الصعب انتزاع مكاسب توصف بالهزيمة داخلياً وخارجياً، فيمكن القول إنّ الهدف الفعلي دفع إيران إلى منطقة وسطى: دولة غير مهزومة لكنّها مُقيّدة في قدراتها. وهذا ما يفسّر أهمية تصريح وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، عن ضرورة اتفاق يحفظ كرامة إيران”. فالاتفاق، لكي يصمد، يجب أن يُصاغ بطريقة تسمح لكلّ طرف بتقديمه داخلياً بوصفه إنجازاً لا تنازلاً.
لكن الوصول إلى هذه المنطقة الوسطى لا يتم مباشرة، بل عبر شبكة من الوسطاء، في مقدّمتهم الدوران المصري والخليجي، غير أنّ أهمية هذه الوساطات ليست فقط في نتائجها المحتملة، بل في ما تكشفه من طبيعة إدارة الأزمة نفسها؛ فانتقال ملف بهذا الحجم إلى وسطاء إقليميين لا يعكس قوتهم بقدر ما يعكس حدود قدرة القوى الكبرى على فرض مسار واحد للصراع. لم تعد الأزمات تُدار من مركز واحد، بل عبر شبكة من الفاعلين، لكلّ منهم قدرة جزئية على التأثير من دون أن يمتلك الحسم، ما يجعل دور هذه الدول حاسمًا في هذه المرحلة: ليس لأنّها تملك إنهاء الحرب، بل لأنها تمنعها من الانزلاق إلى مواجهة شاملة وتُبقي قنوات التفاوض مفتوحة.
وفي هذا السياق، ومع توافر قنوات الوساطة التي تدفع نحو خفض التصعيد وفتح مسار تفاوضي غير مباشر، تصبح ملامح الاتفاق الممكن أكثر قابلية للتشكّل؛ إذ لن يكون هناك تفكيك كامل للبرنامج النووي، بل تقييد له يطيل زمن التحول إلى برنامج عسكري، ولن يكون هناك تدمير شامل للقدرات الصاروخية، بل ضبط لمدياتها أو أنماط استخدامها، في مقابل تخفيف جزئي للعقوبات وربّما ضمانات غير مباشرة تتعلّق بعدم استهداف النظام، فيما سيُعاد فتح مضيق هرمز لا بوصفه تنازلاً من طرف، بل نتيجة توازن مفروض. ومع ذلك، لن يُنهي هذا الاتفاق الصراعَ، حتى لو تحقّق، بل سيعيد تعريفه، إذ سنكون أمام توازن هشّ يستمرّ فيه التنافس بوسائل أقلّ مباشرة، من ضغوط اقتصادية إلى تحركات إقليمية وربّما مواجهات محدودة، مع بقاء إيران فاعلاً إقليمياً أكثر حذراً، واستمرار حضور الولايات المتحدة ولكن بقدرة أقلّ على فرض نظام كامل كما في السابق.

تبقى دول الخليج في قلب المخاطر بحكم موقعها وحساسيتها لاضطرابات الطاقة

وإذا كان ما نشهده يعكس نموذجاً جديداً للحرب يُدار أكثر ممّا يُحسم، يصبح السؤال الأعمق: ماذا يكشف هذا الاتفاق من طبيعة النظام العالمي؟… لا يتعلق الجواب بنتائج الحرب فقط، بل بشكلها ايضاً؛ فنحن أمام نموذج لا تُحسم فيه الحروب بل تُدار، ولا تُفرض فيه الاتفاقات من قوّة واحدة، بل تُنتج عبر توازنات متعدّدة، ولا تقوده جهة منفردة، بل شبكة من الفاعلين، لكلٍّ منهم قدرة جزئية من دون أن يمتلك القدرة الكاملة. هذا التحوّل، بوصفه انعكاساً لنمط حرب يُدار أكثر ممّا يُحسم، ينعكس مباشرة على طبيعة التحالفات نفسها؛ إذ لم تعد الاصطفافات صلبةً كما في السابق، بل أصبحت أكثر مرونة وتبدّلاً، محكومة بالمصالح لا بالانتماءات الثابتة. وفي هذا الإطار، لم تعد دول مثل تركيا وباكستان مجرّد أطراف ضمن معسكرات تقليدية، بل تحوّلت إلى فاعلين مستقلّين قادرين على التأثير في مسار الأزمات، مستفيدين من قدرتهم على الحركة بين الأطراف. في المقابل، لم تعد الولايات المتحدة قادرةً على فرض رؤيتها بالكامل كما في مراحل سابقة، لكنّها لا تزال تمتلك القدرة على توجيه الإيقاع العام للصراع من دون التحكّم الكامل في مآلاته.
وفي امتداد طبيعي لهذا المشهد، تتوزّع كلفة هذا النمط من الحروب بين أطراف متعدّدة؛ إذ تبقى دول الخليج في قلب المخاطر أمناً واقتصاداً بحكم موقعها الجغرافي وحساسيتها لاضطرابات الطاقة، فيما تواجه أوروبا ضغوطاً متزايدةً على إمداداتها وأسعارها، في حين يظلّ الاقتصاد العالمي كلّه عرضةً للاهتزاز مع كلّ موجة تصعيد. هذه الكلفة المشتركة، التي لا يستطيع أيّ طرف عزل نفسه عنها، هي التي تدفع الجميع، بشكل مباشر أو غير مباشر، نحو القبول بتسوية ناقصة بدلاً من الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة لا يمكن احتواؤها. وعليه، لن تأتي نهاية هذه الحرب في صورة إعلان حاسم، بل عبر تراجع تدريجي في وتيرة التصعيد، وعودة بطيئة للملاحة، وتفاهمات غير مكتملة تُدار مع مرور الوقت. فلا الولايات المتحدة ستحقّق نصراً كاملاً، ولا إيران ستخرج مهزومة، بل طرفاً مقيّداً ضمن معادلة جديدة. وفي المحصّلة، لا تُنهي هذه الحرب الصراع بقدر ما تعيد تشكيله، كاشفةً ملامح نظام دولي يتبلور تدريجياً: نظام لا يُحسم فيه الصراع بانتصارات نهائية، ولا تُفرض فيه الإرادات من طرف واحد، بل يُدار عبر توازنات متغيّرة تفرض على الجميع التعايش ضمن حالة دائمة من القلق المحسوب.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف

 


تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...