دبلوماسية القرب وتضامن الجالية بأونفيرس ينهيان فصول رحيل صامت لابنة تطوان

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

في هدوء المنفى البارد، وبعيداً عن دفء الوطن وأزقة مدينة تطوان التي تختزن تفاصيل الطفولة والنشأة، انطفأت شمعة حياة السيدة خدوج القروي في الثلاثين من أبريل لعام 2026 بمدينة أونفيرس البلجيكية. رحيلٌ صامت في الغربة كاد أن يمر كنسيانٍ عابر، لولا تلك التساؤلات المعلقة والذاكرة التي لم يبقَ من يحملها سوى القلة، لتبدأ مع غيابها فصول قصة إنسانية تجسد عمق التضامن والتلاحم المغربي في المهاجر، وتكشف عن الوجه النبيل لدبلوماسية القرب التي تتجاوز جمود البروتوكولات الرسمية إلى آفاق الفعل الإنساني المباشر.
وقد بدأت ملامح هذه القضية تتشكل عقب الوفاة مباشرة، حينما اهتزت منصات التواصل الاجتماعي بشريط مصور حمل في طياته نداءً إنسانياً صارخاً؛ نداء يستنجد بالضمائر الحية وكل من يملك خيطاً يقود إلى ذوي الراحلة، بهدف تسريع إجراءات الدفن وإعادة رفات ابنة تطوان إلى مسقط رأسها. هذا المقطع الرقمي سرعان ما تحول إلى كرة ثلج من التفاعل والتعاطف الواسع، مستنهضاً همم الجالية المغربية المقيمة في بلجيكا وخارجها، ومحدثاً هزة وجدانية حرّكت السواكن، لكن خلف كواليس هذا الحراك الافتراضي، كانت هناك جهود رسمية صامتة تُنسج خيوطها بدقة ومسؤولية في أروقة القنصلية العامة للمملكة المغربية بأونفيرس.
في تلك الأروقة الدبلوماسية، تحرك القنصل العام للمغرب بالمدينة، السيد منير قطيطو، بشكل فوري ومكثف، مستخدماً كل ما أوتي من صلاحيات قانونية وأبعاد إنسانية لمواجهة هذا الموقف الحرج. وبحسب معطيات موثقة استقتها مصادر مطلعة من قلب الجالية المغربية، فإن القنصل العام لم يكتفِ بدور المراقب عن بُعد، بل تولى شخصياً زمام المبادرة وقاد جهود البحث والتواصل على مدار أسبوع كامل أعقب الوفاة، في سباق محموم مع الزمن تفرضه الاعتبارات الإنسانية والدينية التي تحث على إكرام الميت وتعجيل دفنه.
هذا التحرك الدبلوماسي الدؤوب أسفر في نهاية المطاف عن فك العزلة المحيطة بهوية الفقيدة والتعرف على أسرتها، لتتكشف فصول واقع أسري بالغ الهشاشة والتعقيد؛ إذ تبين للجهات القنصلية أن الراحلة لا تملك أي أقارب أو صلات عائلية ممتدة داخل أرض الوطن، في حين أن شقيقتها الوحيدة، المقيمة في أوروبا، تعيش في ظروف اجتماعية واقتصادية شديدة القسوة والتعثر. وأمام هذه الوضعية الصعبة التي جعلت الملف يستلزم تدخلاً فورياً ومنسقاً، تلاقت الإرادة الرسمية مع النوايا الحسنة لأبناء الجالية المغربية بأونفيرس، الذين هبّوا كالبنيان المرصوص للمساهمة في إيجاد مخرج يليق بكرامة بنت بلدهم، مؤكدين بتضامنهم العفوي أن المعدن الأصيل للمغاربة يسطع بوضوح كلما اشتدت الأزمات وضاقت الخيارات.
وبفضل هذا التكامل بين التنسيق القنصلي والمبادرات التطوعية، تم العثور على شقيقة الفقيدة لتلقي نظرة الوداع الأخيرة على جثمان أختها، وتكفل متبرعون من أبناء الجالية بكافة مصاريف الجنازة والدفن. وفي مشهد مهيب اكتملت فيه الإنسانية بابهى تجلياتها، وُورِي جثمان السيدة خدوج القروي الثرى في مقبرة إسلامية، محققة بذلك غاية ذلك النداء الذي طاف يوماً بالفضاء الرقمي. وعلى التوازي مع هذا التكريم الإنساني، حرص القنصل العام على إتمام كافة التدابير الإدارية والقانونية، حيث تم تسجيل الوفاة رسمياً في السجلات القنصلية واستخراج الشواهد القانونية اللازمة، مع إخطار السلطات المختصة في المغرب وفقاً للأطر التنظيمية المعمول بها بين البلدين، ليُغلق بذلك ملف السيدة خديجة القروي بشكل رسمي، ومعه ينتفي أي مسوغ لاستمرار تداول ذلك الشريط المصور الذي أدى رسالته الإنسانية النبيلة على أكمل وجه.


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...