علي أنوزلا
صحافي وكاتب مغربي، مدير ورئيس تحرير موقع “لكم. كوم”.
قبل أن يباشر حربه العدوانية على بلدهم، دعا الرئيس الأميركي دونالد ترامب الإيرانيين إلى الخروج إلى الشوارع لإسقاط نظامهم. غير أن المفارقة التي سرعان ما تكشّفت بعد شهر فقط من اندلاع الحرب، لم تكن في طهران، بل في واشنطن ونيويورك وشيكاغو وغيرها من مدن أميركية. فبدل أن ينتفض الإيرانيون، خرج ملايين الأميركيين أنفسهم ليهتفوا بصوت واحد في وجه ترامب: “ارحل”. ثمانية ملايين متظاهر، وآلاف المدن، وشعار مركزي واحد يقول، “لا ملوك”، في تأكيد واضح أن الديمقراطية لا تحتمل الاستبداد، ولا تقبل وجود من يضع نفسه فوق القانون.
لا يمكن قراءة هذا التحول اللافت بوصفه حدثاً عاديّاً أو انفجاراً مؤقتاً للغضب الشعبي، بل هو تعبير عن مسار متصاعد بدأ منذ يونيو/ حزيران 2025، حيث أخذت الاحتجاجات في الاتساع والتكثف تدريجيّاً. وقد بلغت ذروتها في 28 الشهر الماضي (مارس/ آذار)، حين خرج ملايين الأميركيين في أكثر من 3300 فعالية شملت مختلف الولايات، في ما وُصف بأنه أكبر يوم احتجاجي في تاريخ الولايات المتحدة. لم يكن هذا الحشد الضخم مجرّد رقم قياسي، بل مؤشّر على عمق الأزمة التي يعيشها المجتمع الأميركي، وعلى حجم الهوّة المتسعة بين السلطة الحاكمة في واشنطن والمجتمع.
تعكس هذه الاحتجاجات حالة غضب متراكمة، تغذّيها عوامل داخلية وخارجية على حد سواء. داخليّاً، يتزايد القلق من تصاعد نزعة سلطوية تهدّد أسس النظام الديمقراطي، في ظل خطاب سياسي يتسم بالحدة والشعبوية، وممارسات تُتهم بتقويض المؤسسات. وخارجيّاً، شكّلت الحرب على إيران عاملاً محفزاً إضافيّاً، إذ لا تحظى هذه الحرب بدعم واسع داخل المجتمع الأميركي، رغم محاولات التقليل من أهميتها أو فصلها عن دوافع الاحتجاج. غير أن الشعارات التي رفعها المتظاهرون، واللافتات التي ملأت الشوارع، عكست بوضوح رفضاً متنامياً لهذه الحرب، وقلقاً من تداعياتها.
بدل أن ينتفض الإيرانيون، خرج ملايين الأميركيين أنفسهم ليهتفوا بصوت واحد في وجه ترامب: “ارحل”
ورغم هذا الزخم الشعبي، سعت وسائل الإعلام الكبرى، المرتبطة إلى حد بعيد بمصالح النخب الاقتصادية والسياسية، إلى التقليل من حجم الاحتجاجات أو التشكيك في دلالاتها. لكن مثل هذا التناول الإعلامي لا يلغي الحقيقة الأساسية، أن ما شهدناه حراك شعبي واسع، يعكس بداية تبلور صدام بين رؤيتين متناقضتين، رؤية أوليغارشية تميل إلى تركيز السلطة والتخلي عن بعض الأشكال الديمقراطية، وأخرى شعبية تسعى إلى استعادة التوازن وحماية المؤسسات.
قد يطرح بعضهم سؤالاً حجاجياً يبدو في ظاهره منطقيّاً: كيف يمكن لرئيس يواجه معارضة بهذا الحجم أن يظل في السلطة؟ غير أن هذا السؤال ينطلق من افتراض مبسط يتجاهل طبيعة الأزمات السياسية المعقدة، فاستمرار السلطة لا يعني غياب المعارضة أو إلغاءها، بل قد يكون نتيجة حالة شلل أصابت المجتمع السياسي سنوات، وأدّت إلى تآكل الثقة بين المواطنين وممثليهم. هذه الفجوة العميقة هي التي سمحت بظهور ظواهر سياسية مثل “الترامبية”، التي تستند إلى خطاب شعبوي قادر على استقطاب قطاعات واسعة، قبل أن تنقلب سياساته لاحقاً على القواعد الشعبية نفسها التي استمدّت منها شرعيتها.
يمكن فهم الاحتجاجات أخيراً بوصفها لحظة وعي متأخّرة، أو بداية استيقاظ تدريجي داخل المجتمع الأميركي
في هذا السياق، يمكن فهم الاحتجاجات أخيراً بوصفها لحظة وعي متأخّرة، أو بداية استيقاظ تدريجي داخل المجتمع الأميركي، فجزء من هؤلاء الذين خرجوا إلى الشوارع هم أنفسهم ممن منحوا أصواتهم لترامب في السابق، قبل أن يكتشفوا التناقض بين الوعود والواقع. ومن هنا، لا يقتصر ما نشهده على رفض سياسات معينة، بل يتجاوز هذا إلى مراجعة أعمق للخيارات السياسية التي أوصلت البلاد إلى هذه اللحظة الحرجة التي أصبحت فيها هذه الإدارة تشكّل خطراً على أميركا وعلى العالم.
غير أن هذا الاستيقاظ، على أهميته، لا يزال في مراحله الأولى، لأن الغضب الشعبي، مهما بلغ حجمه، يظلّ محدود الأثر، ما لم يتحوّل إلى قوة سياسية منظمة، قادرة على التأثير في موازين القوى وصنع القرار. وهنا تبرز إحدى الإشكالات الرئيسية التي تكمن في ضعف أو غياب رد فعل فعّال من القوى المعارضة التقليدية، سواء داخل الحزب الديمقراطي أو النقابات العمّالية، أو على مستوى المؤسسات الدستورية، أو داخل وسائل الإعلام الكبرى، أو حتى في أوساط النخب الفكرية والثقافية. ويضع هذا الفراغ عبئاً أكبر على الشارع، الذي بدأ يتحول تدريجيّاً إلى الفاعل الرئيسي داخل المشهد.
ينذر استمرار الفجوة بين الشارع ومراكز القرار بتداعيات أعمق في حال لم تُستثمر هذه اللحظة
من جهة أخرى، لا يمكن تجاهل أن هذه الاحتجاجات تحمل بعداً إيجابيّاً مهمّاً، يتمثل في حيوية المجتمع الأميركي وقدرته على التعبئة والمقاومة. فخروج الملايين إلى الشوارع، في سياق يتسم بتصاعد التوترات الداخلية والخارجية، يعكس تمسّكاً عميقاً بقيم الديمقراطية، ورفضاً واضحاً لأي انزلاق نحو الحكم الفردي أو تركيز السلطة. كما أن اقتراب الانتخابات النصفية يمنح هذا الحراك بعداً إضافيّاً، إذ قد يشكل محطّة حاسمة لإعادة التوازن داخل النظام السياسي. ومع ذلك، تبقى أسئلة عديدة مفتوحة من قبيل، هل يستطيع هذا الحراك أن يحافظ على زخمه؟ وهل سيتمكّن من ترجمة حضوره في الشارع إلى نتائج ملموسة على المستوى السياسي؟ أم إنه سيتلاشى تدريجيّاً تحت ضغط الزمن والانقسامات الداخلية؟
ما هو مؤكّد أن احتجاجات “لا ملوك” كشفت عن وجود معارضة عميقة ومتجذرة داخل المجتمع الأميركي، لكنها، في الوقت نفسه، أبرزت الحاجة إلى الانتقال من مرحلة التعبير عن الغضب إلى مرحلة الفعل المنظّم. فالتحدّي الحقيقي لا يكمن فقط في النزول إلى الشارع، بل في بناء بدائل سياسية قادرة على وقف الحرب، ومواجهة النزعات السلطوية، وإعادة الاعتبار للمؤسسات.
في المحصلة، لم يعد النقاش منصبّاً على توقيت استيقاظ المجتمع الأميركي بقدر ما أصبح مرتبطاً بمدى قدرته على ترجمة هذا الاستيقاظ إلى مسار تغييري فعّال قبل فوات الأوان. إذ ينذر استمرار الفجوة بين الشارع ومراكز القرار بتداعيات أعمق في حال لم تُستثمر هذه اللحظة. وفي هذا السياق، يتجه الرهان بشكل متزايد نحو الشارع الأميركي الذي بدأ يفرض نفسه فاعلاً رئيسياً في مواجهة اندفاعة الإدارة الحالية. وقد أظهرت احتجاجات “لا ملوك” مستوى مرتفعاً من الغضب الشعبي، أخذ يتجاوز حاجز الخوف، بما يعكس تبلور المجتمع قوة معارضة وازنة، في ظل ما يُلاحظ من محدودية أداء النخب السياسية ووسائل الإعلام الكبرى في مواكبة هذا التحول بكل أبعاده.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





