د. جيمس س. روبينز
مستشار خاص سابق في مكتب وزير الدفاع الأمريكي.
عميد الشؤون الأكاديمية في معهد السياسة العالمية للدراسات العليا في واشنطن العاصمة.
تصر طهران والمتعاطفون معها على أن واشنطن تتصرف كدمية في يد إسرائيل في عملية “الغضب الملحمي”. ووفقا لهذا الرأي، فإن أهم القرارات تملى من قبل بنيامين نتنياهو وتفرض على البيت الأبيض عبر الضغط السياسي أو نفوذه الشخصي.
لا شيء أبعد عن الحقيقة من هذا، وهذا الادعاء يسيء فهم دونالد ترمب وكيفية اتخاذ قرارات الأمن القومي الأمريكي.
لطالما اعتقد الرئيس ترمب أن الولايات المتحدة وإيران قد تندلع بينهما حرب. ففي شبابه خلال ثمانينيات القرن الماضي، دعا إلى حل عسكري للخلافات المستمرة بين البلدين. ومنذ ذلك الحين، ظل ناقدا لاذعا للنظام الإسلامي والتهديد الذي يمثله لاستقرار الشرق الأوسط.
وفي ولايته الأولى، أمر بشن ضربة على قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، وأمر مؤخرا بعملية “مطرقة منتصف الليل” للقضاء على البرنامج النووي الإيراني. إذًا، الحرب الحالية هي امتداد لنزعة ترمب لاستخدام القوة عندما تفشل الدبلوماسية.
كما يظهر أسلوب قيادة ترمب أنه ليس شخصا يمكن التلاعب به أو الضغط عليه للدخول في صراع. فقد بُنيت هويته السياسية على الاستقلالية والقوة واليقين في رؤيته الإستراتيجية. وهو لا يعتبر نفسه تابعا، سواء في الحياة أو الأعمال أو السياسة.
ترمب هو من يملي النتائج بدلا من السماح بفرضها عليه. إن الادعاء بأن شخصا يتمتع بإرادة ترمب وصورته الذاتية القوية سيُخضع الأمن القومي الأمريكي لزعيم أجنبي ليس فقط أمرا غير معقول، بل يناقض كل ما نعرفه عنه.
أسلوب ترمب في اتخاذ القرارات مركزي وإستراتيجي ومرتبط ارتباطا وثيقا برؤيته للقوة الأمريكية. فعندما يختار استخدام القوة العسكرية، فذلك لأنه يعتقد أنها تخدم مصالح الأمن القومي الأمريكي، وتعزز أهدافه الإستراتيجية.
رؤية ترمب لاستقرار الشرق الأوسط تشبه إلى حد كبير رؤية إسرائيل، وهذا ليس بالأمر المستغرب. فالولايات المتحدة وإسرائيل تتشاركان مصالح مشتركة، مبنية على تاريخ مشترك وقيم سياسية. تربطهما شراكة إستراتيجية تمتد لعقود.
والإيرانيون هم من هتفوا مرارا وتكرارا مطالبين بموت البلدين. لذا، ليس من المستغرب أن تتعاون الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة تهديد مشترك في حرب كانت متوقعة منذ زمن.
إن فكرة أن إسرائيل تملي السياسة الأمريكية تتجاهل اختلال موازين القوى بين البلدين. فالولايات المتحدة تمتلك قدرات عسكرية واقتصادية ودبلوماسية عالمية لا مثيل لها.
أما إسرائيل، فرغم كونها فاعلا إقليميا مهما، فإن نطاق عملها أضيق بكثير. والقول إن القوة الصغرى تسيطر على الكبرى يتجاهل الحقائق الهيكلية للسياسة الدولية.
يفهم التحالف الأمريكي الإسرائيلي على أفضل وجه باعتباره تقاربا في المصالح لا تسلسلا هرميا للسيطرة. فإسرائيل شريك إقليمي، وقدراتها وموقعها الجغرافي يجعلانها حليفا مفيدا في تحقيق الأهداف المشتركة.
هذه الديناميكية ليست حكرا على إسرائيل. فعلى مر تاريخها، اعتمدت الولايات المتحدة على شركاء إقليميين لتنفيذ عناصر من إستراتيجيتها الأوسع. سواء في أوروبا خلال الحرب الباردة أو في آسيا اليوم، تعمل واشنطن مع جهات فاعلة محلية لخلق الاستقرار، وبسط النفوذ، وإدارة التهديدات المشتركة.
في هذا السياق، لا يعد نتنياهو محركا للسياسة الأمريكية، بل مشاركا في نظام صممته ووجهته واشنطن. وقد تتوافق مصالحه مع مصالح الولايات المتحدة، مما يخلق فرصا للتعاون. لكن التاريخ أثبت أن هذا التوافق قد لا يكون دائما ولا حاسما. فعندما تتباين المصالح، كانت واشنطن تبدي استعدادا للتصرف باستقلالية. ويعد الخلاف الحالي مع حلفاء أمريكا القدامى في الناتو مثالا واضحا على ذلك.
إن فكرة أن الضغط الأجنبي قد يكون القوة الحاسمة في الحرب الأمريكية تعكس سوء فهم لكيفية اتخاذ هذه القرارات المعقدة. فالضغط السياسي يعمل على هامش عملية صياغة السياسات، لا في صميمها.
وتنبثق القرارات الإستراتيجية الرئيسية للبيت الأبيض، ولا سيما تلك المتعلقة باستخدام القوة، من عمليات مشتركة بين الوكالات، وتقييمات استخباراتية، وتخطيط عسكري، وحسابات جيوسياسية طويلة الأمد. وهذه ليست ساحات يسهل التأثير فيها بالعلاقات الشخصية أو الإقناع الخارجي.
ما يتم إقراره ليس نظرية مؤامرة، بل عبر العديد من المؤسسات. تصاغ إستراتيجية الولايات المتحدة الكبرى عبر شبكة كثيفة من مؤسسات الأمن القومي، ووكالات الاستخبارات، والقيادات العسكرية، ومراكز الأبحاث، المتمركزة في واشنطن العاصمة.
تقيّم هذه الهيئات التهديدات، وتحدد الأولويات، وتطور أطرا سياسية تدعم رؤية الرئيس ترمب الإستراتيجية الشاملة لنظام أمني إقليمي ناشئ.
في نهاية المطاف، يجب فهم عملية “الغضب الملحمي” على حقيقتها: حرب أمريكية. لقد تم تصورها داخل المؤسسات الأمريكية، وبررها المنطق الإستراتيجي الأمريكي، ونفذت لخدمة المصالح الأمريكية.
إن مشاركة إسرائيل، على الرغم من أهميتها، لا تغير من أصل الصراع أو مسؤوليته. لقد قرر الرئيس موعد بدء الحرب، وسيطر على سيرها، وهو من سيحدد موعد انتهائها. من يعتقد خلاف ذلك لا يفهم ترمب.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





