هي اضطرابات تحدث على سطح الشمس تؤدي إلى إطلاق كميات كبيرة من الطاقة والجسيمات والمجالات المغناطيسية إلى الفضاء، وتشمل ظواهر مثل التوهجات الشمسية، والانبعاثات الكتلية الإكليلية، والعواصف الإشعاعية.
وحين تكون موجهة نحو الأرض، قد تُحدث العواصف الشمسية اضطرابا في المجال المغناطيسي للأرض، مما قد يؤدي إلى انقطاع التيار الكهربائي وتعطل أنظمة الاتصالات.
كيف تنشأ العواصف الشمسية؟
تنشئ الشمس شبكة معقدة من المجالات المغناطيسية التي تتشابك نتيجة دورانها غير المنتظم، إذ يدور خط الاستواء أسرع من القطبين بنحو 10 أيام (25 يوما عند خط الاستواء مقابل 35 يوما عند القطبين)، وذلك بسبب طبيعة الشمس البلازمية، فهي لا تتحرك كجسم صلب.
ويؤدي التباين في سرعة دوران الشمس إلى تمدد خطوط المجال المغناطيسي وتشابكها مع مرور الوقت. وعندما تصل هذه المجالات إلى حالة من التوتر الشديد نتيجة التمدد والالتفاف، تنكسر روابطها وتتحد مجددا، في عملية تُسمى “إعادة الاتصال المغناطيسي”، مما يؤدي إلى إطلاق كميات كبيرة من الطاقة، وحدوث عاصفة شمسية.
وينتج عن هذه الاضطرابات الشمسية عدة ظواهر، منها:
- التوهّج الشمسي: انفجار شديد من الإشعاع والضوء يحدث على سطح الشمس، ويؤدي إلى وميض مفاجئ وانبعاث جسيمات عالية الطاقة. ويشمل هذا الانبعاث نطاقا واسعا من الطيف الكهرومغناطيسي، مثل الأشعة السينية، وأشعة غاما، والأشعة فوق البنفسجية، وموجات الراديو.
وتُعدّ التوهجات الشمسية أقوى الانفجارات في النظام الشمسي، إذ قد تحتوي أكبرها على قدر من الطاقة يعادل طاقة مليار قنبلة هيدروجينية.
وتُقاس شدة التوهّجات الشمسية وفق تصنيف من خمس فئات رئيسية: أي (A)، بي (B)، سي (C)، إم (M)، إكس (X)، حيث تمثل الفئة “أي” أضعف التوهجات، بينما تمثل “إكس” أقواها.
- الانبعاث الكتلي الإكليلي (CME): سحابة هائلة من البلازما، يمكن أن تقذف مليارات الأطنان من المادة الشمسية المصحوبة بمجالات مغناطيسية، وتندفع عبر الفضاء بسرعات تصل إلى ملايين الكيلومترات في الساعة.
تتباين سرعات الانبعاثات الكتلية الإكليلية، وعندما تكون موجهة نحو الأرض، يمكن أن تصل إليها خلال 15 ساعة فقط، فيما قد تستغرق أبطؤها عدة أيام للوصول.
- العواصف الإشعاعية: تحدث عندما تؤدي الانفجارات الشمسية -مثل التوهجات الشمسية والانبعاثات الكتلية الإكليلية- إلى تسريع الجسيمات المشحونة، كالإلكترونات والبروتونات، في الفضاء بسرعات عالية جدا.
آثار العواصف الشمسية على الأرض
يمكن أن تُحدِث العواصف الشمسية اضطرابا كبيرا في المجال المغناطيسي للأرض إذا كانت موجهة نحوها، وقد يؤدي ذلك إلى ما يُسمّى العاصفة الجيومغناطيسية، والتي قد يترتب عليها انقطاع الاتصالات اللاسلكية والتيار الكهربائي، مما يعني توقّف تشغيل محطات ضخّ المياه وتعطّل أجهزة التبريد في المستشفيات وتأثّر حركة القطارات وأنظمة إشارات المرور.
كما قد تؤثر العواصف الشمسية على أنظمة تحديد المواقع العالمية “جي بي إس” (GPS)، إذ تُشوّه إشارات الراديو أثناء مرورها عبر الغلاف الجوي الأيوني، وهو ما قد يقلل من دقة بيانات تحديد الموقع أو يؤدي إلى تعطّلها بالكامل.
ولا يقتصر هذا التأثير على أنظمة الملاحة أو تحديد الاتجاهات، فقد يمتد ليشمل اضطرابات في حركة الطيران، وتعطّل المعاملات المالية الدولية التي تعتمد على توقيت دقيق يرتبط بالأقمار الصناعية، إضافة إلى التأثير على أنظمة الزراعة الذكية ذات التوجيه الآلي. وقد تسهم هذه الاضطرابات في بعض الحالات في تكبّد خسائر اقتصادية كبيرة خلال فترة زمنية قصيرة.
إلا أنّ العواصف الشمسية لا تسبّب ضررا مباشرا للإنسان، وذلك بفضل الغلاف المغناطيسي للأرض وغلافها الجوي اللذين يقيان من معظم آثار هذه العواصف.
فعندما تطلق الشمس تيارات من الجسيمات العالية الطاقة، أو ما يُسمّى بـ”الرياح الشمسية”، تصطدم هذه الجسيمات بالغلاف المغناطيسي للأرض، فينضغط من الجهة المواجهة للشمس، بينما تمتد الجهة الأخرى منه لتكوّن ما يُعرف بـ”الذيل المغناطيسي”، الذي يعمل كمخزن للطاقة. وإذا انقطع هذا الذيل، يُطلق كميات هائلة من الطاقة باتجاه القطبين، مما يؤدي إلى ظاهرة الشفق القطبي.
كما يحتجز الغلاف المغناطيسي للأرض الجسيمات العالية الطاقة داخل حزامين دائمين يحيطان بالكوكب، يُعرفان بـ”أحزمة فان ألن”، حيث يعملان كمصيدة للجسيمات المشحونة، مما يساعد على حماية الأرض من تأثيرات العواصف والرياح الشمسية.
ومع ذلك، فإنّ العواصف الإشعاعية الشمسية تزيد عند وصولها إلى الأرض من خطر التعرّض للإشعاع لدى روّاد الفضاء في المدار الأرضي المنخفض، مثل الموجودين على متن محطة الفضاء الدولية.
وعلى صعيد الطقس، فلا تؤثر العواصف الشمسية بشكل مباشر على الطقس اليومي، مثل الأمطار أو درجات الحرارة.
رصد العواصف الشمسية
يتنبأ العلماء بقرب العواصف الشمسية من خلال مراقبة البقع الشمسية، وهي مناطق تتكوّن على سطح الشمس نتيجة تركّز خطوط المجال المغناطيسي، وتكون أقلّ حرارة من المناطق المحيطة بها، إذ تحدّ شدة المجالات المغناطيسية من انتقال الحرارة إليها. وتُعدّ هذه البقع الجزء المرئي من المناطق النشطة على سطح الشمس، وهي من أبرز مصادر الانفجارات الشمسية.

فعندما تظهر مجموعة كبيرة من البقع الشمسية، أو البقع الداكنة، أو تبدو منطقة ما على سطح الشمس نشطة بشكل كبير، يكون ذلك مؤشرا على قرب حدوث عاصفة شمسية قد تتجه نحو الأرض.
وتتغير معدلات حدوث العواصف الشمسية والظواهر المرتبطة بها تبعا لدورة النشاط الشمسي التي تمتد نحو 11 عاما، حيث تزداد هذه الظواهر خلال مرحلة الحد الأقصى الشمسي -أي ذروة نشاطها- بينما تنخفض بشكل ملحوظ خلال مرحلة الحد الأدنى الشمسي، وهي أضعف مستويات النشاط. ويزداد ظهور البقع الشمسية خلال فترات الحد الأقصى الشمسي.
وعبر مراقبة البقع الشمسية باستخدام تلسكوبات مثل “سوهو” و”باركر”، يمكن إصدار إنذار مبكر يتراوح بين 15 دقيقة ويومين قبل وصول تأثيرات العاصفة إلى الأرض.
ورغم قصر هذه المدة، فإنها تتيح لشركات الكهرباء تقليل الضغط على المحولات، كما تمكّن شركات الأقمار الصناعية من وضع أجهزتها في “وضع النوم” لحمايتها من الاحتراق الإلكتروني.
أشهر العواصف الشمسية
عام 1859، وقعت أقوى عاصفة شمسية مسجلة، وأدّت إلى تعطّل شبكات التلغراف عالميا، فيما عُرف بحدث كارينغتون. وبدأت آثارها على الأرض بظهور الشفق القطبي في مناطق واسعة، وهو ما أثار دهشة السكان، إذ لم يسبق لكثير منهم أن شهد ظاهرة مماثلة.
ففي 1 سبتمبر/أيلول من ذلك العام، وبينما كان عالم الفلك الإنجليزي ريتشارد كارينغتون يدرس قرص الشمس، رصد عند الساعة الحادية عشرة صباحا وميضا مفاجئا من ضوء أبيض شديد في منطقة البقع الشمسية. وبعد ساعات، أضاءت السماء ليلا في أمريكا الشمالية، وامتد الشفق القطبي حتى كوبا وهاواي، فبدا الليل كما لو كان نهارا، حتى إن بعض عمّال المناجم استيقظوا وأعدّوا الفطور ظنا منهم أن الصباح قد حلّ.
وكانت خطوط التلغراف في أوروبا وأمريكا تُطلق شرارات كهربائية، واندلعت حرائق صغيرة في بعض المكاتب. واختلّ عمل أجهزة قياس تغيّرات المجال المغناطيسي للأرض، إذ خرجت مؤشراتها عن نطاق القياس، وتسربت موجات كهربائية قوية إلى شبكات التلغراف حول العالم، مما عطّل عملها بالكامل.
ولم يكن مصطلحا “العواصف الجيومغناطيسية” و”الانبعاثات الكتلية الإكليلية” مستخدمين آنذاك، إلا أن كارينغتون لاحظ ارتباطا بين ما رصده من وميض من البقع الشمسية على سطح الشمس وبين الاضطرابات التي حدثت في شبكات التلغراف على الأرض. وقد شكّلت هذه الملاحظة المبكرة إحدى أولى الإشارات العلمية إلى العلاقة بين النشاط الشمسي والتغيرات التي تطرأ على المجال المغناطيسي للأرض.
وتميّز حدث كارينغتون بسرعة عالية للانبعاث الشمسي الذي قطع المسافة بين الشمس والأرض في وقت قصير نسبيا، مما أدى إلى وصول تأثيراته إلى الغلاف المغناطيسي للأرض بسرعة غير معتادة.
وفي 13 مارس/آذار 1989، تسببت عاصفة شمسية كبيرة في حدوث اضطرابات شديدة في الغلاف الأيوني والمجال المغناطيسي للأرض، وأدت إلى انقطاع الكهرباء في مقاطعة كيبيك الكندية، واستمر ذلك نحو 9 ساعات.
وفي عام 2003، ظهرت على سطح الشمس 3 مجموعات كبيرة من البقع الشمسية، وكان أكبرها يفوق حجم كوكب الأرض بنحو 13 مرة.
وفي 28 أكتوبر/تشرين الأول، أطلقت الشمس توهجا شمسيا يُعد من بين أقوى التوهجات التي سُجلت آنذاك، أعقبه حدوث عاصفة جيومغناطيسية قوية. وبعد أقل من 24 ساعة، أطلقت الشمس انبعاثا كتليا إكليليا آخر باتجاه الأرض، مما نتج عنه عاصفة جيومغناطيسية أخرى. وقد عُرفت هذه السلسلة باسم “عواصف الهالوين الشمسية”، لوقوعها بالتزامن مع احتفالات “الهالوين” الشهيرة.
وشهدت الأقمار الصناعية ونظام تحديد المواقع العالمي “جي بي إس” وشبكات الاتصالات اللاسلكية اضطرابات أو انقطاعات نتيجة شدة هذا النشاط الشمسي.
وفي عام 2022، عاود نحو 40 قمرا صناعيا من أقمار “ستارلينك” الدخول إلى الغلاف الجوي بعد أن تسببت عاصفة جيومغناطيسية، حدثت بعد يوم من الإطلاق، في تسخين الغلاف الجوي وزيادة مقاومة الهواء في المدار، مما أدى إلى فشل وصولها إلى مدارها المستقر.
وفي 14 مايو/أيار 2025، سجّلت الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي في الولايات المتحدة، إطلاق الشمس توهجا شمسيا من الفئة “إكس 2.7″، أدى إلى حدوث انقطاعات مؤقتة في الاتصالات اللاسلكية في مناطق من أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، كما تأثرت على وجه الخصوص خدمات الاتصالات العالية التردد المستخدمة في الطيران والملاحة والاتصالات البحرية.
وفي يناير/كانون الثاني 2026، ضربت الأرض عاصفة توهج شمسي هائلة، صُنّفت ضمن الفئة “إكس”، مسجلة أقوى دفعة طاقية منذ “عاصفة الهالوين الشمسية”، إلا أنها لم تُخلّف سوى اضطرابات محدودة في البنية التحتية.
وفي 30 مارس/آذار 2026، أطلقت الشمس توهجًا قويًا من الفئة “إكس” 1.4، أدى إلى تدهور واسع في إشارات الاتصالات اللاسلكية عالية التردد، مما أثار مخاوف بشأن مهمة “أرتميس 2″ التابعة لناسا، لإطلاق رواد الفضاء إلى القمر، إلا أن الوكالة أكدت أن هذا النشاط الشمسي لا يشكّل تهديدًا على المهمة التي انطلقت في 1 أبريل/نيسان 2026، كما جرى التخطيط له.
المصدر: الجزيرة





