الإيمان كهم أقصى… قراءة في فلسفة بول تيليش

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

أوس حسن
كاتب عراقي

 

 

لا يمكن حصر الإنسان بتكوينه المادي، أو بنيته البيولوجية، ولا باشتراطات وجوده الأولية المتمثلة في الغرائز الأساسية، كالغذاء والجنس والمأوى. الإنسان أيضا كائن روحي له هموم معرفية وجمالية، وله اشتراطات وجود في الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية، وقبل كل شيء هو كائن مهتم ومنشغل إلى أقصى حد بكينونته، وبأسئلة الواقع المحيط به. وعلى هذا الأساس فالإنسان يخضع لنوعين من العقل، الأول هو العقل الأداتي أو التقني، وهو الذي ينشغل بالحياة اليومية ويكون معتمداً في نمط تفكيره على اختيار أفضل الوسائل لتحقيق غايات محددة بأعلى كفاءة، من دون تساؤل عن أخلاقية الغاية أو قيمتها الإنسانية. ويسود هذا العقل في المجتمعات الحديثة، وهو القوة التي تحدد الحضارة التقنية لعصرنا.
أما العقل الثاني فهو العقل الروحي الذي يعلو فوق الوسائل والغايات، ويخلق المعنى في عالم يسوده التخلخل والعبث واللايقين. يتماهى هذا العقل بإنسانية الإنسان في مقابل جميع الكائنات الأخرى. فهو أساس اللغة، والحرية، والإبداع. وهو داخل في عملية البحث عن المعرفة، وتحقيق الأوامر الأخلاقية، وهو الذي يتيح للإنسان حياة روحية تمنعه من أن يصبح ترسا في آلة أو رقما في جماعة، فالعقل الأسمى للروح هو الذي يمنع الإنسان من السقوط، ويحفظ له كرامته البشرية.
والحياة الروحية التي يتدفق لهيبها في أعماق الإنسان تتطلب الإيمان، ولا نعني بالإيمان هنا الخضوع لله، أو الاعتقاد بوجود الله من عدمه، وإنما الانشغال بهم إلى أقصى أحد، وبواعث الإيمان كما يذهب الفيلسوف واللاهوتي الألماني بول تيليش هي بواعث الهم الأقصى عند الإنسان. والإيمان كهم أقصى هو فعل الشخصية الشاملة. فهو يحدث في مركز الحياة الشخصية، ويشمل عناصرها كلها. وهو أكثر الأفعال المتركزة في العقل الإنساني.

الإيمان بوصفه تجربة وجودية

يعد كتاب «بواعث الإيمان» للفيلسوف واللاهوتي الوجودي الألماني بول تيليش من أهم الكتب التي أعادت طرح مسألة الإيمان في العصر الحديث، بوصفه تجربة وجودية عميقة تمس جوهر الإنسان وقلقه ومعناه في هذا العالم، وليس مجرد اعتقاد سائد أو تقليد شعبي موروث. وقد جاء طرح تيليش في سياق تاريخي وفكري شهد تصاعداً في النزعات العلمية والمادية، أمام تراجع سلطة الخطاب الديني التقليدي، الأمر الذي دفع تيليش إلى إعادة بناء مفهوم الإيمان على أسس فلسفية وأنطولوجية جديدة. ولا يمكن فهم مشروع تيليش إلا في ضوء التلاقح بين الفلسفة واللاهوت الغربي الحديث، حيث تأثر بعدد من المذاهب الفلسفية الوجودية، وتحديدا وجودية كيركيغورد التي تؤكد فعل الإيمان كأقصى درجات الحرية، ووجودية مارتن هيدغر التي أعادت الاعتبار لسؤال الوجود والقلق والمعنى. إلا أن تيليش لم يكن مجرد تابع لتلك المذاهب، بل حاول أن يبتكر نسقا خاصاً به يجمع بين التحليل الوجودي والتأويل اللاهوتي، ويعيد من خلاله صياغة الإيمان بوصفة تجربة إنسانية كلية. وعلى هذا الأساس فإن الإيمان عند تيليش هو الهم الأقصى، أي ذلك الانشغال الكلي الذي يستولي على الإنسان، ويصبح محور وجوده، ويوجهه نحو غاية معينة. فالإيمان بهذا المعنى هو موقف وجودي شامل يحدد طبيعة علاقة الإنسان بذاته والعالم، وليس مجرد تصديق عقلي أو التزام ديني.

ومن هنا وعلى طريقة هيدغر في التمييز بين الوجود الزائف والوجود الأصيل، يميز تيليش بين الإيمان الحقيقي والإيمان الزائف، فالإيمان الحقيقي يتجه نحو المطلق، بينما الإيمان الزائف يعلّق ذاته بأشياء محدودة كالثروة أو السلطة أو الأيديولوجيا، فيحولها إلى مطلقات بديلة، وهذا ما يسميه بالإيمان الوثني، أو الوثنية الحديثة، حيث لا يختفي الإيمان، لكنه يتحول إلى أشكال جديدة. وهكذا يُفهم الإيمان عند تيليش بوصفه حالة اهتمام قصوى بالأقصى، وعليه فإن الإنسانوية تتضمن الإيمان أيضاً. فالإنسانوية هي الموقف الذي يجعل الإنسان مقياس حياته الروحية في الفن والفلسفة، والعلم والسياسة، في العلاقات الاجتماعية والأخلاق الشخصية. يتجلى الإلهي عند الإنسانوية في الإنساني، حيث الهم الأقصى للإنسان هو الإنسان.
ويذهب تيليش إلى أن الهم الأقصى يحضر داخل العالم المتناهي، وتحديداً في أعماق النفس الإنسانية، وهذه الأعماق هي نقطة الاتصال بين المتناهي واللامتناهي. ولكي يبلغها الإنسان لا بد أن يفرغ ذاته من جميع المحتويات المتناهية في الحياة الاعتيادية، وأن يتخلى عن جميع الهموم الأولية لصالح الهم الأقصى. فيجب أن يتعالى المرء على انقسام الوجود، بما في ذلك الانقسامات الأكثر عمقاً وكلية، وهو الانقسام بين الذات والموضوع. كما أن الإيمان عند تيليش لا يعنى بالحقائق التاريخية ولا الفلسفية ولا العلمية، وتاريخ الدين هو تاريخ الهم الأقصى، أما الأساطير والخرافات فيجب أن تعامل كرموز للإيمان تتضمنها اللغة الدينية، وليس الأخذ بمعناها الحرفي أو الظاهري الذي ينبذه العلم والعقل والعالم الموضوعي الذي نحياه.

والإيمان عند تيليش لا ينفصل عن الشك، بل يتضمنه في داخله، إذ لا يمكن لإيمان حقيقي أن يقوم من دون أن يمر بتجربة الشك والقلق، فالشك ليس نقيض الإيمان، بل شرط من شروطه لأنه يكشف محدودية الفهم الإنساني، ويفتح المجال أمام تجربة أعمق للمعنى.
ومن هنا يتضمن قبول الشك في الإيمان مجازفة وشجاعة وجودية، فالإيمان الحي ينطوي على الشك بنفسه، وعلى الشجاعة في ضم هذا الشك إلى نفسه، والمجازفة بهذه الشجاعة. ويعلل تيليش فكرة قبول الشك، بأن في كل إيمان هناك عنصر من اليقين المباشر، ليس بعرضة للشك، وهو الهم اللامشروط نفسه. وهو يُجرب في الانفعال والقلق واليأس والنشوة. وهنا تكمن قوة تيليش في طرحه لمقولات الوجودية وارتباطها بالإيمان والقلق والكينونة.

الله والكينونة والقلق

ينتقد تيليش التصورات التقليدية التي ترى في الله كائنا أعلى منفصلاً عن العالم، ويذهب إلى أن الله ليس موجوداً بالمعنى المعتاد، بل هو أساس الوجود وعمق الكينونة. وبهذا المعنى، لا يمكن التعامل مع الله كموضوع من موضوعات المعرفة، وإنما كشرط لإمكان المعرفة نفسها. وهذا التصور يحرر الإيمان، ويخرجه من إطار التصورات الحسية أو الخيالية، ليجعله تجربة وجودية تتعلق بعمق الإنسان ذاته، فالله لا يدرك بالحواس، ولا يتصور بالخيال، فالله هو الجوهر العميق للهم الأقصى، ويعاش بوصفه حضوراً دائما في عمق الكينونة الإنسانية.
أما القلق فيحتل مكانة مركزية في فلسفة بول تيليش، وهو لا يختلف كثيراً عن القلق عند الفلاسفة الوجوديين، فتيليش يرى أن القلق هو تعبير وعي الإنسان بحدوده وفنائه، وهو نتيجة حتمية لوعي الإنسان بالتناهي، فالإنسان بوصفه كائنا واعيا، يدرك أنه مهدد بالعدم، وأن وجوده مهدد بالزوال في أي لحظة. من هذا الوعي ينشأ القلق الوجودي الذي يدفع الإنسان إلى البحث عن معنى يتجاوز هذا التهديد. وهنا يظهر دور الإيمان بوصفه استجابة لهذا القلق. ويقسم تيليش القلق إلى عدة أنواع منها: القلق من المصير والموت، والقلق من الذنب والاغتراب، والقلق من الفراغ واللامعنى. وكل نوع من هذه الأنواع يعكس بعدا من أبعاد الوجود الإنساني، ويكشف حاجة الإنسان إلى معنى أعمق من مجرد العيش على سطح الحياة.

الرمز الديني ووظيفته

عادة ما تشير الرموز إلى شيء آخر وراء ذاتها، أو خارج ذاتها. والرمز كما يرى تيليش يفتح مستويات من الواقع تظل منغلقة أمامنا من دونه. فالفنون جميعاً تخلق رموزاً إلى مستوى من الواقع لا يمكن الوصول إليه بطريقة أخرى. فالصورة أو القصيدة تكشف عناصر من الواقع لا يمكن تناولها علميا. والرمز أيضا يفتح أبعاداً وعناصر في داخل أنفسنا تقابل تلك الأبعاد والعناصر من الواقع. فالمسرحية العظيمة، مثلاً، لا تعطينا فقط رؤية جديدة للمشهد الإنساني، بل هي تفتح أيضاً أعماقاً خفية في وجودنا الخاص. وهكذا نكون قادرين على تلقي ما تكشفه لنا المسرحية في الواقع. ففي داخلنا أبعاد لا نستطيع أن نكون على وعي بها إلا من داخل الرموز، كالإيقاعات والألحان في الموسيقى. والرموز لا يمكن إنتاجها قصديا، فهي تنبع من اللاشعور الفردي أو الجمعي ولا يمكن أن تؤدي وظيفتها، من دون أن يعترف بها البعد اللاشعوري لوجودنا. وبناء عليه فاللغة الدينية تقوم على الرموز وليس المعاني الحرفية، فالرمز لا يعبر عن الحقيقة بشكل مباشر، وإنما يشير إليها ويشارك فيها في الوقت ذاته. ومن هنا فإن فهم النصوص الدينية يتطلب إدراك طبيعتها الرمزية، وعدم الوقوف عند ظاهرها الحرفي.
فالرموز الدينية المرتبطة بقصة الخليقة، وفكرة الأب أو الملكوت، وفكرة صلب المسيح أو الإسراء والمعراج، ليست أوصافا واقعية أو أحداثا تاريخية أسطورية ذات طابع إعجازي، إنها تعبيرات عن علاقة الإنسان بالمطلق، وإذا فهمت هذه الرموز فهماً حرفيا، فإنها تتحول إلى أصنام فكرية تفقد قدرتها على الإيحاء والمعنى، وربما تصبح أيضا عقائد جامدة ومتعصبة تلغي الآخر وتستبيح دماءه. إن الرموز حسب تيليش لا يمكن ابتكارها، فالرموز تنمو وتموت كالكائنات الحية. تنمو حين ينضج الموقف لاستيعابها، وتموت حين يتغير الموقف. فلا تنمو الرموز لأن الناس تحن إليها، ولا تموت بسبب النقد العلمي أو العملي، بل هي تموت حين لا تعود قادرة على توليد الاستجابة في الجماعة التي وجدت فيها التعبير عنها في الأصل.
والله عند تيليش هو الرمز الأساسي في أقصى همومنا، وهو حاضر دائماً في كل فعل إيمان، حتى حين يشتمل فعل الإيمان على إنكار الله. وحيث يكون هناك هم أقصى، يمكن إنكار الله باسم الله. فالله واحد ينكر الآخر. أما الهم الأقصى فلا يستطيع أن ينكر طبيعته كغاية قصوى. وبالتالي فإن الإلحاد لا يعني سوى محاولة إزالة الهم الأقصى.
أي البقاء بلا اهتمام بشأن معنى وجود المرء، وليست اللامبالاة بشأن السؤال عن الهم الأقصى سوى صورة متخيلة من صور الإلحاد. فمن ينكر الله من حيث هو قضية هم أقصى، يؤكد وجود الله، لأنه يؤكد الغاية القصوى في همه.

الإيمان والإنسان المعاصر
أخيراً يمكننا القول، إن تيليش حاول أن يقدم تصوراً للإيمان يتناسب مع الإنسان المعاصر الذي يعيش في عالم تهيمن عليه العلوم والتقنيات، ويعاني في الوقت نفسه من أزمة عميقة في المعنى. فالإيمان هو بعد أساسي من أبعاد الوجود الإنساني، وليس بديلاً عن العقل ولا نقيضاً للعلم. كما أن الإيمان لا يلغي القلق، بل يمنح الإنسان القدرة على مواجهته، من خلال ما يسميه تيليش «الشجاعة على الوجود» أي القدرة على تأكيد الذات في مواجهة العدم.

 

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...