بين الخبز والدم.. حكاية اغتيال الطبيب محمد مطر وأطفاله في غزة

إيطاليا تلغراف متابعة

قبل أسبوعين، عادت الحرب في غزة لتطرق باب عائلة مطر الفلسطينية من جديد. لم تكن هذه المرة بصاروخ أو قذيفة، بل بآلام عصبية حادة تشبه الصعقات الكهربائية، عادت لتظهر في رأس سعاد مطر بشكل مفاجئ، بعد أكثر من عامين ونصف على إصابة عانت منها خلال الحرب.

آنذاك، تعرضت سعاد لمأساة مروعة حين أقدم جنود الاحتلال الإسرائيلي على قتل زوجها الطبيب محمد مطر أمام ناظريها، في هجوم انتهى بفقدانها ثلاثة من أبنائها، وإصابتها هي وطفليها المتبقين بجروح خطيرة.

ورغم أن جسدها وطفليها تعافوا تدريجيا من معظم الإصابات، فإن آثار تلك اللحظات لم تغادر حياتهم، فالألم لم يتوقف عند حدود الجروح، بل امتد إلى ذاكرة مثقلة بالخوف والألم، ما تزال تفاصيله حاضرة حتى اليوم.

موت على الباب

في 21 ديسمبر/كانون الأول 2023، كانت الحياة تسير بصورة اعتيادية داخل منزل العائلة في حي الصفطاوي شمال مدينة غزة.

كانت سعاد تعجن الخبز، بينما توزع أطفالها الخمسة؛ ملك (17 عاما)، ويحيى (14 عاما)، وديما (11 عاما)، وأحمد (9 أعوام)، وفاطمة (5 أعوام)، في أرجاء المنزل برفقة والدهم الطبيب محمد مطر. قطع هدوء الصباح طرق مفاجئ على الباب.

توجه الطبيب لفتحه، لكنه عاد بعد لحظات مضرجا بدمائه، بعدما أطلقت قوة إسرائيلية خاصة النار عليه من الخلف.

وبينما كان يلفظ الشهادتين، أخبر الابن يحيى والدته أن والده دفعه بعيدا لحمايته من الرصاص، قبل أن يسقط أرضا مصابا.

بين القصف والوداع

لم تنته الحادثة عند إطلاق النار، فبعد دقائق، بدأ قصف المنزل بقذائف الدبابات. تجمعت الأسرة حول الأب المصاب، بينما تعالت صرخات الأطفال وهم يرجون والدتهم أن تخرجهم من المنزل، مرددين أنهم سيموتون.

حاولت سعاد تهدئتهم، لكن القذائف كانت تتساقط تباعا، والركام ينهار فوقهم. وقبل أن يفقد الطبيب وعيه، بدأ في تلقين زوجته لوصيته.

بعد لحظات، حسم القصف مصير الأسرة؛ استُشهد الطبيب محمد، وثلاثة من أبنائه وهم: ملك، ويحيى، وديما، فيما أصيبت سعاد والطفلان أحمد وفاطمة بجروح بالغة.

معجزة وسط الدمار

دخل الجنود المنزل بعد القصف، ووجدوا الأم غائبة عن الوعي وسط الإصابات، فاعتقدوا أنها فارقت الحياة وتركوها.

أما الطفلان أحمد وفاطمة، فنقلا إلى مستشفى “سوروكا” في بئر السبع، قبل تسليمهما لاحقا للجنة الدولية للصليب الأحمر التي نقلتهما إلى مستشفى شهداء الأقصى في وسط قطاع غزة.

وبسبب فصل شمال القطاع عن وسطه، بقي الطفلان بعيدين عن والدتهما ثلاثة أشهر كاملة. أما سعاد، فلا تزال حتى اليوم تجهل كيف نجت.

فقد أفاقت الأم الثكلى بعد أيام في المستشفى، لتسمع لاحقا من أقارب وشهود أنها شوهدت تسير وحدها باتجاه منزلها القديم، رغم إصابتها بحروق في الوجه، وشظايا في الرأس، وكسور في الظهر وعظام الصدر، قبل أن يتعرف عليها أحد أقارب زوجها وينقلها إلى المستشفى.

تقول إنها لا تتذكر شيئا من تلك الساعات، وتعتبر نجاتها معجزة إلهية.

جثمان مفقود وذاكرة

استفاقت الأم على حقيقة أكثر قسوة من إصاباتها؛ فقدت زوجها وثلاثة من أبنائها دفعة واحدة، ولم تتمكن حتى من وداعهم أو المشاركة في دفنهم.

ومما زاد من مأساتها أن جثمان ابنها يحيى (14 عاما) فُقد ولم يُعثر عليه، لكن سعاد تعتقد أنه استشهد بعد أن أخبرها أقاربها بالعثور على جمجمة وعظام عمود فقري، قريبا من المكان، يُعتقد أنها تعود له.

وبعد ثلاثة أشهر، تمكنت الأم من الوصول إلى وسط القطاع، حيث التقت بطفليها الناجيين للمرة الأولى منذ الحادثة.

ورغم مرور أكثر من عامين، لم تغادر آثار ذلك اليوم حياة الأسرة الصغيرة.

ولعل أكثر ما تتمناه الأم اليوم، هو أن ترى أولادها الشهداء في المنام، وأن يزوروا أحلامها للحظات قصيرة، وأن تتمكن من احتضانهم ولو مرة أخيرة، بعدما حُرمت من وداعهم في الواقع.

وبينما تحاول الأسرة أن تتعافى جسديا ونفسيا، يبقى ما خلفه ذلك اليوم حاضرا في الذاكرة، كجرح لا يلتئم.

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...