بلال التليدي
كاتب مغربي
قبل أيام أصدر البنك الدولي تقريرا عن الاقتصاد المغربي، تحت عنوان: «تسلق جبال الأطلس: النمو وخلق فرص العمل من أجل مغرب مزدهر».
تعود خلفية التقرير كما هو معلن في مقدمته إلى رغبة البنك الدولي تقديم دعم للمغرب لتحقيق الأهداف التي أعلنها في نموذجه التنموي الجديد الذي أعدته لجنة عينها الملك محمد السادس، وتم إقراره سنة 2021.
وضع النموذج التنموي الجديد بالمغرب جملة أهداف طموحة، منها مضاعفة الناتج المحلي الإجمالي للفرد بحلول عام 2035، ورفع معدل تشغيل النساء إلى 45%، وإدماج 80% من العمالة في القطاع الرسمي، وقد باشر المغرب عمليا عددا من الإصلاحات همت مجال الحماية الاجتماعية، وحكامة المؤسسات العمومية، وتشجيع الاستثمار الخاص، وتحسين مناخ الأعمال، فضلا عن الإصلاح الضريبي.
البنك الدولي في تقريره، قام بتحليل مخرجات هذه السياسات، بالقياس إلى الأهداف المعلنة، وقدم تشخيصا دقيقا لوضعية الاقتصاد المغربي ونقاط تقدمه وأعطابه الهيكلية، وانتهى بعد ذلك إلى تقرير جملة من الخلاصات الصادمة، إذ أقر في الجملة، بأن السياسات الإصلاحية التي تم انتهاجها لم تكن كافية لتحقيق تطلعات وثيقة النموذج التنموي الجديد، مسلطا الضوء على ما سماه «الأعطاب الهيكلية».
نقاط قوة الاقتصاد المغربي، كما سجل ذلك البنك الدولي، أن المغرب اتجه إلى إرساء قواعد اقتصاد حديث متنوع، معتمدا على توسيع البنية التحتية بوتيرة سريعة، ما ساعد المغرب على أن يصير مركزا رئيسياً للاستثمار والتجارة والخدمات اللوجستية يربط بين أوروبا وافريقيا، إذ ظهرت صناعات جديدة موجهة للتصدير، خاصة في قطاع السيارات والطيران، ما ساهم في تعميق التكامل في سلاسل القيمة العالمية، لكن في الجهة المقابلة، توقف هذا التقرير على أعطاب هيكلية، تختصرها معادلة خطيرة عنوانها :»نمو من دون تنمية»، إذ لم يستطع الاقتصاد المغربي أن يخلق فرص عمل بالقدر الذي يتطلبه تزايد عدد السكان في سن العمل. فعلى الرغم من التوسع المستمر للاقتصاد بين 2000 و2024، لم يخلق المغرب في المتوسط سوى 215000 وظيفة سنوياً، وهو أقل مما هو مطلوب للحفاظ على استقرار معدل التوظيف. وسجل التقرير احتداد الفجوة ما بين 2020 و2024، حيث وصل إلى 370000 وظيفة سنوياً. فمع أن المغرب يتمتع بوفرة في عدد الشركات (360000 شركة مسجلة)، لكن فرص العمل فيه قليلة جدا، إذ لم تترجم هذه الوفرة في الشركات إلى وفرة في الوظائف.
السؤال المركزي الذي شغل بال معدي تقرير البنك الدولي، هو حل إشكال توسع الاقتصاد وتضاؤل فرص الشغل، وكيف لا ينعكس نمو الاقتصاد على فرص العمل. التفسير الذي قدمه التقرير يكمن في المفارقة التي يعيشها الاقتصاد المغربي، ففي الوقت الذي يحافظ تراكم رأس المال على استمرار النمو الاقتصادي، تبقى مكاسب الإنتاجية اللازمة للخروج من فخ الدخل المتوسط بعيدة المنال.
البنك الدولي، تحدث في تفسير هذا الإشكال الهيكلي عن وجود تشوهات في الاقتصاد المغربي، نركز منها على تشوهين اثنين: الأول، وهو ضعف التنافسية، الذي يسمح لشركات بفرض أسعار أعلى عن طريق تقليل الإنتاج، وبالتالي خفض الطلب على العمالة، والثاني هو قوة احتكار الشراء في سوق العمل تمكن الشركات من الحد من نمو الأجور. في واقع الأمر، هناك حساسية شديدة في التوقيت الذي صدر فيه هذا التقرير، فقد جاء في لحظة انتخابية خالصة، تسبق الاستحقاقات التشريعية بخمسة شهور، وتزامن صدوره مع تقديم حكومة عزيز أخنوش لحصيلة حكومته التدبيرية داخل المؤسسة التشريعية، وجاءت نتائجه بمثابة رد مهني محايد، على مزاعم حكومية بخصوص تحقيق أهداف البرنامج الحكومي لاسيما في المجال الاجتماعي، الذي تتصدره عناوين فرص الشغل، والحماية الاجتماعية، وإصلاح التعليم والصحة.
ما من شك في أن أحزاب المعارضة ستكون الأكثر إفادة من خلاصات هذا التقرير، إذ قدمت خلاصاته خدمة مهمة لها، وأعفتها من الاجتهاد في توفير حجج رقمية لدحض مزاعم الحكومة، لكن ثمة سؤال أساسي، يطرح بعيدا عن اعتبار المماحكة الانتخابية، فهذا التقرير جعل وثيقة النموذج التنموي الجديد مرجعيته في الحكم على أهداف وتطلعات الاقتصاد المغربي، ووثيقة النموذج التنموي جاءت في الأصل لتجيب عن سؤال طرحه الملك محمد السادس في إحدى خطبه، هو: «أين الثروة؟». و»لماذا لا تصل عوائد النمو التي تتحقق إلى مختلف شرائح الشعب المغربي؟» و»لماذا لا ينعكس ارتفاع نسب النمو على حصول تقدم في مؤشرات التنمية، لاسيما منها الاجتماعية؟».
هذا السؤال، يدفعنا إلى تحليل نتائج تقرير البنك الدولي بشكل موضوعي، بعيدا عن اعتبارات المماحكة السياسية والانتخابية، فالأمر يتعلق ابتداء بنموذج اقتصادي، لا يرتبط بحكومة سائرة، ولا بظرفية عابرة، وإنما يتعلق بممارسات بنيوية، أضحت أقرب من أن تشكل خاصية ملازمة لتطور الاقتصاد المغربي، فقضية ضعف الإنتاجية، وضعف التنافسية، والتركيز والاحتكار واقتصاد الريع، وهيمنة القطاع العام على الاستثمار، وضعف القطاع الخاص، وميله إلى تحصيل الأرباح من خلال عروض الاستثمار العمومي وصفقاته. هذه التشوهات التي أضحت أكثر حدة في المرحلة الأخيرة، بفضل تناسلها وتحولها إلى طبيعة شبكية، يطرح تحديا فوق حكومي، يتطلب سياسة إصلاحات جذرية، تقوم بها الدولة لمعالجة هذه التشوهات الخطيرة، والتي تظهر كل محطة مظاهر أزمة هيكلية خطيرة، ولولا أن الاقتصاد المغربي انفتح على فرص عالمية كبيرة، واستثمر عددا من الظرفيات الاقتصادية الدولية، لأضحت هذه التشوهات مؤثرة ليست فقط على مؤشرات التنمية، بل أيضا على نسب النمو، فاليوم، نلاحظ كمظاهر سلبية التشوه في بنية الشركات (ضخامة الشركات الصغرى في مقابل الكبرى والمتوسطة، وضعف الإنتاجية، وضعف التنافسية)، والمفارقة بين توسع الاقتصاد وعدم انعكاسه على فرص الشغل. لكن، عندما تتغير الظرفية الاقتصادية، ويُقَدر على الاقتصاد المغربي أن يعيش صدمات عنيفة، مثل ما يحدث اليوم من ارتفاع الفاتورة الطاقية بسبب إغلاق مضيق هرمز، فيمكن أن تتغير الصورة بشكل كلي، وتصبح الفرص المغتنمة، لا تدر الفائض الكافي الذي يمكن من خلاله أن يسد فجوة الخسائر التي تجلبها الصدمات، ولو كانت عابرة أو مؤقتة.
نعم تتحمل حكومة عزيز أخنوش نصيبا من المسؤولية لأنها سمحت للتشوهات أن تتطور وتصير أكثر حدة وشبكية، لكن، في المحصلة، تتطلب الاستجابة للتحدي أن نواجه سؤالا أشمل، يتعلق بإصلاح جذري للنموذج الاقتصادي المغربي.
بكلمة، لقد تبنى النموذج التنموي الجديد مقاربة تغض الطرف عن تشوهات الاقتصاد المغربي، وتبحث عن فرص وخيارات لبحث فوائض تغطي على نتائجه السلبية، واليوم، لم يعد ممكنا الرهان فقط على انفتاح وتحديث الاقتصاد المغربي واغتنامه للفرص، فهذه الطريقة مع بقاء الأعطاب الهيكلية لا تسمح إلا بتكريس الجمود والتحرك السريع مع البقاء في النقطة نفسها، بل يتطلب الأمر، البدء بما ينبغي البدء به، أي البدء بإصلاح اقتصادي، مسبوق أو متزامن مع إصلاح عميق في بيئة السياسة، وفصل جريء بين السلطة والثروة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





