“حلويات المدبح”.. كيف أصبحت الأحشاء جزءا من التراث الشعبي في مصر؟

إيطاليا تلغراف متابعة

على الرغم من أنها قد تكون مرفوضة ومثيرة للاشمئزاز لدى البعض، تحظى الأحشاء بشعبية واسعة في مطابخ عديدة حول العالم، بل وتتصدر المائدة في بعض الثقافات، خاصة في المناسبات مثل عيد الأضحى، الذي يتميز بموائده العامرة باللحوم بمختلف أنواعها.

ولكن ما المقصود بالأحشاء تحديدا؟

تمثل الأحشاء نحو 44% من الذبيحة، مقابل 56% للحوم التقليدية المعروفة، وتشمل هذه الأجزاء الأعضاء الداخلية مثل الكبد والقلب والكلاوي والرئتين “الفشة”، والطحال والكرشة إلى جانب الأمعاء المستخدمة في إعداد الممبار، كما تشمل أجزاء ثانوية أخرى، مثل الرأس والأقدام والذيل.

بالإضافة إلى الطعم المميز، تعرف هذه الوجبة بغناها بالعناصر الغذائية كذلك. فقد أظهرت مراجعة بحثية منشورة عام 2024 في دورية (نيوترنتس) أنها مصدر غني بالبروتين والفيتامينات والمعادن والأحماض الدهنية الأساسية، بل وغالبا ما تحتوي على عناصر غذائية تفوق تلك الموجودة في اللحوم التقليدية.

فعلى سبيل المثال، يوفر 100 غرام من الكبد حوالي 36% من الاحتياج اليومي من الحديد، مقارنة بنحو 12% فقط في الكمية نفسها من اللحم المفروم، كما تحتوي على مركبات مهمة مثل الإنزيم المساعد Q10، الذي يدعم صحة القلب ويسهم في تعزيز وظائف الدماغ ومستويات الطاقة.

ورغم هذه الفوائد، ينصح الخبراء بتناول الأحشاء باعتدال، نظرا لارتفاع محتواها من الكوليسترول.

مسميات متعددة

تختلف مسميات الأحشاء من بلد إلى آخر، ففي بعض الدول تعرف باسم “السقط”، وفي تركيا تُسمى “الربع الخامس”، بينما تعرف في دول المغرب العربي بـ”الدوارة” وفي بلاد الشام بـ”المعلاق”، أما في مصر فتعرف بأسماء شعبية مثل “فواكه اللحوم” أو “حلويات المدبح” أو “إكسسوارات اللحوم”، وهي تسميات تدل على مكانتها في المطبخ الشعبي.

وتتنوع طرق إعدادها عالميا، إذ تتميز كل ثقافة بأطباقها الخاصة، ففي إسبانيا يُعد كالوس (يخنة الكرشة) من الأطباق التقليدية، بينما تشتهر إيطاليا بطبق أوسو بوكو (أقدام العجل المطهوة ببطء)، أما في أسكتلندا فيُعد “الهاغيس” طبقا وطنيا عريقا يُحضر من مزيج أحشاء الخروف (القلب والكلاوي والكبد والرئتين) ثم يُخلط مع دقيق الشوفان والتوابل ويُطهى داخل معدته “الكرشة” بعد خياطتها.

من طعام الفقراء إلى موائد الجميع

قديما، اعتمدت المجتمعات على استهلاك كامل الحيوان دون إهدار، إذ اعتبروا التخلص من أي جزء نوعا من التبذير، كما حظيت الأحشاء بمكانة خاصة في بعض الثقافات، مثل الطب الصيني التقليدي الذي ربط بين تناول أعضاء الحيوان وصحة الأعضاء المناظرة في جسم الإنسان.

ومع مرور الوقت، ارتبطت الأحشاء في بعض المجتمعات بطعام الفقراء خاصة في فترات الأزمات، كما حدث في عصر العبودية في الولايات المتحدة، حيث اعتمد العبيد على بقايا الذبائح في إعداد وجباتهم، كما زاد الاعتماد على الأحشاء في بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية، إذ كان اللحم يُوزع بالتقنين، أما الأحشاء، فلم تكن خاضعة لنظام تقنين اللحوم، ما جعلها خيارا متاحا.

لكن هذا التصنيف بدأ يتغير مؤخرا، إذ عادت الأحشاء إلى الواجهة مدفوعة بحركات الغذاء المستدام التي تشجع على الاستفادة الكاملة من الحيوان وتقليل الهدر.

الأحشاء في مصر.. موروث حي

في مصر، تمتد جذور تناول الأحشاء إلى عصور قديمة، وقد تطورت طرق طهوها عبر العصور، من العصر الروماني مرورا بالدولة الفاطمية والعثمانية، حيث كانت تُباع بأسعار منخفضة، ما جعلها في متناول الطبقات الشعبية وخيارا اقتصاديا مهما.

ولا تزال الأحشاء تحتفظ بمكانتها في المطبخ المصري خاصة خلال عيد الأضحى، حيث تعد جزءا من طقوس الذبح والطهي وتُحضر بطرق متنوعة تعكس التراث الشعبي مثل الحشو والسلق والقلي والطهو في الصلصات.

وتزخر المائدة المصرية بأطباق تعتمد على الأحشاء مثل الممبار “أمعاء محشوة بالأرز” وطواجن الكرشة والعكاوي “ذيل الماشية” ولحمة الرأس وفتة الكوارع والكبدة الإسكندراني، إلى جانب طبق السمين الذي يجمع بين عدة أنواع من الأحشاء في طبق واحد ويُقدم في مطاعم تعرف بـ”المسمط”، تنتشر في الأحياء الشعبية بالقاهرة مثل عابدين والسيدة زينب والسيدة نفيسة، وتحظى بإقبال واسع من مختلف الطبقات.

نصائح لتحضير الأحشاء

يتطلب تحضير الأحشاء بذل مجهود لضمان أفضل نتيجة من حيث الطعم والقوام، ومن أبرز النصائح:

  • التنظيف الجيد: يجب تنظيف الأحشاء بعناية لإزالة الشوائب، ويمكن نقع الكبد والقلوب والكلاوي في الحليب لتخفيف نكهتها القوية، بينما تحتاج الكرشة إلى الغمر في ماء مغلي وفركها جيدا ثم نقعها في ماء مملح وليمون، أما الممبار، فيجب كشطه جيدا ثم يُقلب من الداخل إلى الخارج، ويُشطف ويُنقع في محلول ملحي للتخلص من أي بقايا.
  • إزالة الزوائد: يُنصح بالتخلص من الدهون الزائدة والأنسجة الضامة والأغشية.
  • طريقة الطهو: الإفراط في طهو الأحشاء قد يجعلها قاسية وغير مستساغة، فبعض الأنواع يتطلب الطهو البطيء مثل الكرشة واللسان، بينما يناسب القلي السريع أنواعا أخرى مثل الكبد.
  • تناولها طازجة: يُفضل طهو الأحشاء طازجة قدر الإمكان وأفضلها طعما تلك التي تُطهى فور إخراجها من الحيوان وهي لا تزال دافئة، ويمكن حفظها في الثلاجة حتى 5 أيام.

طريقة تحضير “السمين” على الطريقة المصرية

لتحضير هذه الوجبة ستحتاج إلى فشة وطحال بعد سلقهما وتقطيعهما إلى شرائح، ولحم رأس سُلق مسبقا بعد غسله جيدا وتقطيعه، وكرات كفتة لحم جاهزة، شرائح قلوب وكلاوي وكبد طازج بالإضافة إلى ثوم مفروم وبصل وفلفل ألوان وربع كيلو من لية الضأن أو مادة دهنية أخرى حسب الرغبة إلى جانب الملح والبهارات مثل ملح، وفلفل أسود، وكمون، وكزبرة جافة.

طريقة التحضير

في مقلاة واسعة، تُذاب مكعبات لية الضأن مع كمية من الزيت على النار، ثم تُشوح القلوب والكلاوي وتُترك جانبا على طرف المقلاة الأقل حرارة، يُضاف البصل حتى يذبل قليلا، ثم يُشوح الكبد مع الثوم المفروم والبهارات ويُرفع جانبا مع باقي المكونات المحمرة، بعد ذلك تُحمر كرات الكفتة على الجانبين، ثم تُضاف الفشة والطحال ولحمة الرأس وتُشوح جيدا.

تُخلط جميع المكونات معا، ويُضاف الفلفل الألوان وتُتبل حسب الرغبة وتُقلب حتى تتجانس النكهات، يُقدم السمين في طبق مفروش بالجرجير ومزين بشرائح الليمون مع عيش بلدي طازج وطبق من المخللات.

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...