قروض بـ 638 مليون أورو لإنجاز مشاريع البنيات التحتية بالمغرب.. ورطة مالية أم ضرورة اقتصادية؟

إيطاليا تلغراف متابعة

بلغت قيمة سلسلة التمويلات التي حصل عليها المغرب خلال الأيام الأخيرة من مؤسسات مالية دولية وإقليمية، حوالي 638 مليون أورو، ما يشير إلى استمرار توجه المملكة نحو توظيف الاقتراض الخارجي كآلية لتمويل مشاريع البنيات التحتية الكبرى، وهو ما يطرح علامات استفهام حول ما إذا كان الأمر يتعلق بـ”ورطة مالية”، أم يدخل في إطار مقاربة تستهدف دعم الاستثمار المنتج وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.

ففي غضون أيام قليلة، صادق البنك الدولي على تمويل بقيمة 265 مليون دولار لإنجاز محطة لتخزين الطاقة الكهرومائية بالضخ في منطقة إفحصة بإقليم شفشاون، بينما وافق البنك الإفريقي للتنمية على تمويل جديد بقيمة 205 ملايين أورو لتطوير البنيات التحتية السككية بمحور القنيطرة-مراكش، في حين نجحت شركة “وست ميد كونتينر تيرمينال”، صاحبة امتياز المحطة الشرقية لميناء الناظور غرب المتوسط، في تعبئة قرض طويل الأجل بقيمة 196.7 مليون أورو من ائتلاف يضم ثلاثة من أكبر الأبناك المغربية.

وتعكس طبيعة هذه المشاريع توجها واضحا نحو توظيف التمويلات في أصول إنتاجية ذات مردودية اقتصادية مباشرة، إذ يتعلق الأمر باستثمارات في الطاقة والنقل واللوجستيك، وهي قطاعات تشكل رافعة أساسية لتحسين مناخ الأعمال، واستقطاب الاستثمارات، ورفع تنافسية الاقتصاد المغربي على المديين المتوسط والبعيد.

ففي قطاع الطاقة، يراهن المغرب على محطة “إفحصة”، التي ستبلغ قدرتها 300 ميغاواط، لتكون بمثابة منظومة تخزين عملاقة للطاقة الكهربائية، تسمح باستيعاب فائض الإنتاج المتأتي من محطات الطاقة الشمسية والريحية خلال فترات انخفاض الطلب، قبل إعادة ضخ الكهرباء في الشبكة الوطنية عند ارتفاع الاستهلاك، وهو ما يوفر مرونة أكبر للشبكة الكهربائية ويحد من الاعتماد على محطات الوقود الأحفوري.

وتؤكد المعطيات التقنية للمشروع حجم الأثر الاقتصادي والبيئي المنتظر، إذ ستتيح المحطة إدماج ما لا يقل عن جيجاواط إضافي من الطاقات المتجددة، مع المساهمة في تعبئة نحو مليار دولار من استثمارات القطاع الخاص، إضافة إلى تعويض حوالي 3 تيراواط/ساعة من الكهرباء المنتجة بالوقود الأحفوري سنويا، وتفادي انبعاث نحو 1,7 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون كل سنة، فضلا عن توفير ما يقارب 820 فرصة شغل مباشرة سنويا خلال مرحلة الإنجاز.

وفي قطاع النقل، يأتي التمويل الجديد للبنك الإفريقي للتنمية في سياق مواصلة تنفيذ استراتيجية تحديث الشبكة السككية الوطنية، عبر تعزيز أداء محور القنيطرة – مراكش، الذي يمثل العمود الفقري لحركة المسافرين والبضائع بالمملكة، من خلال تمديد الخط فائق السرعة، واقتناء تجهيزات وسكك جديدة، وتحديث البنيات التحتية القائمة لرفع الطاقة الاستيعابية وتحسين جودة الخدمات.

ولا يقتصر هذا المشروع على تحديث التجهيزات التقنية للشبكة الحالية، بل يشكل أيضا إحدى اللبنات الأساسية في ورش تمديد الخط فائق السرعة من القنيطرة نحو مراكش، وهو المشروع الذي يهدف إلى ربط أبرز الأقطاب الاقتصادية والسياحية بالمملكة بشبكة نقل حديثة عالية الأداء، في أفق احتضان المملكة لكأس العالم 2030 بشكراكة مع إسباميا والبرتغال.

ويشمل البرنامج اقتناء سكك حديدية جديدة، وأجهزة تحويل المسارات، ومعدات مخصصة لكل من الخطوط التقليدية والخط فائق السرعة، بما يسمح برفع الطاقة الاستيعابية للمحور السككي، واستيعاب الارتفاع المتوقع في حركة المسافرين والبضائع، إلى جانب تقليص أزمنة السفر وتحسين انتظام حركة القطارات، استعدادا لدخول هذا الامتداد الجديد للخدمة في السنوات المقبلة.

ومن المنتظر أن ينعكس هذا الاستثمار على تقليص مدة الرحلات، وخفض التكاليف اللوجستية، وتحسين الربط بين أهم الأقطاب الاقتصادية بالمغرب، بما يعزز تنافسية المقاولات ويواكب النمو المتوقع في حركة النقل، خصوصا في ظل المشاريع الصناعية واللوجستيكية التي تعرفها المملكة.

أما على مستوى البنيات التحتية المينائية، فيندرج القرض الذي حصلت عليه شركة “وست ميد كونتينر تيرمينال” ضمن استكمال إنجاز المحطة الشرقية لميناء الناظور غرب المتوسط، التي رصد لها غلاف استثماري إجمالي يبلغ حوالي 253 مليون أورو، على أن تدخل الخدمة خلال الربع الأخير من سنة 2026، بما يعزز القدرات المينائية للمملكة على الواجهة المتوسطية ويدعم موقعها كمركز إقليمي للتجارة والخدمات اللوجستيكية.

وتبرز هذه العمليات التمويلية أن الاقتراض أصبح جزءا من هندسة تمويل المشاريع الكبرى، حيث يتم توجيه الموارد نحو استثمارات رأسمالية طويلة الأجل، يفترض أن تحقق عوائد اقتصادية تمكن من رفع الإنتاجية وتحسين المداخيل الضريبية وخلق فرص الشغل، بما يساهم في تعزيز قدرة الاقتصاد على استيعاب تكلفة هذه الديون مستقبلا.

كما أن تنوع الجهات الممولة، بين مؤسسات مالية دولية وإقليمية، إلى جانب الأبناك المغربية، يعكس مستوى الثقة الذي تحظى به المشاريع الاستثمارية المغربية، سواء من حيث جدواها الاقتصادية أو قدرتها على استقطاب التمويلات بشروط تمتد على آجال طويلة، وهو ما يخفف الضغط على المالية العمومية مقارنة بالتمويلات قصيرة الأجل.

ولا يتعلق الأمر، في هذه الحالات، بديون موجهة لتغطية النفقات الاستهلاكية للدولة، كأجور الموظفين أو تحملات التسيير أو برامج الدعم الاجتماعي، وإنما بقروض مرتبطة بمشاريع محددة ذات أهداف وعائدات واضحة، يتم صرفها وفق مراحل الإنجاز، وتخضع لمعايير دقيقة للتتبع والتقييم من قبل المؤسسات الممولة.

ويعد هذا النموذج من الاقتراض أكثر ارتباطا بمنطق الاستثمار العمومي، الذي يسعى إلى خلق أصول اقتصادية جديدة قادرة على توليد قيمة مضافة مستدامة، سواء عبر تخفيض كلفة الطاقة، أو تحسين كفاءة النقل، أو رفع القدرة اللوجستيكية للموانئ، وهي عناصر تشكل مجتمعة أحد المرتكزات الأساسية لتعزيز جاذبية المغرب أمام المستثمرين الصناعيين والفاعلين الدوليين.

وفي ظل التحولات التي يعرفها الاقتصاد العالمي، وتزايد المنافسة على استقطاب الاستثمارات المرتبطة بالتصنيع والطاقات النظيفة وسلاسل الإمداد، تبدو مواصلة الاستثمار في البنيات التحتية خيارا استراتيجيا بالنسبة للمغرب، حتى وإن استدعى تعبئة موارد مالية إضافية، ما دام توظيفها يتم في مشاريع إنتاجية يتوقع أن تحقق مردودية اقتصادية وتنموية تتجاوز كلفة الاقتراض على المدى المتوسط والطويل.

المصدر: الصحيفة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...