السيارات ومعدات النقل تواصل الصعود فيما الأغذية والطاقة ومواد البناء تدفع الإنتاج إلى التراجع وتدخل المنطقة الحمراء.. هل تسير الصناعة المغربية بسرعتين؟

إيطاليا تلغراف متابعة

سجل القطاع الصناعي المغربي بداية متعثرة خلال سنة 2026، وفق ما كشفته المندوبية السامية للتخطيط، التي سجلت تراجع مؤشر إنتاج الصناعات التحويلية، باستثناء تكرير النفط، بنسبة 1.4 في المائة خلال الربع الأول من السنة الجارية، مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025، ويعكس هذا المعطى استمرار الضغوط التي تواجه عددا من الأنشطة الصناعية التقليدية، رغم الأداء الإيجابي الذي واصلت بعض القطاعات التصديرية تحقيقه، وعلى رأسها صناعة السيارات وصناعة معدات النقل.

وأفادت المندوبية السامية للتخطيط، في مذكرتها الإخبارية المتعلقة بمؤشر الإنتاج الصناعي والطاقي والمعدني، التي اطلعت عليها “الصحيفة”، بأن هذا التراجع يعود أساسا إلى انخفاض الإنتاج في عدد من الفروع الصناعية الرئيسية، التي تشكل جزءا مهما من النسيج الإنتاجي الوطني، فقد سجلت صناعة منتجات المعادن اللافلزية الأخرى، التي تضم أساسا مواد البناء والإسمنت والسيراميك والزجاج، انخفاضا بنسبة 8.6 في المائة، في مؤشر يعكس تباطؤ الطلب في بعض الأنشطة المرتبطة بقطاع البناء والأشغال العمومية.

كما تراجعت الصناعات الغذائية بنسبة 3.5 في المائة، وهو معطى يكتسي أهمية خاصة بالنظر إلى الوزن الكبير لهذا القطاع داخل الصناعة الوطنية، سواء من حيث القيمة المضافة أو عدد المقاولات ومناصب الشغل، ويأتي هذا التراجع في سياق استمرار الضغوط المرتبطة بارتفاع تكاليف المواد الأولية، وتقلبات الأسواق الدولية، وتأثيرات الجفاف المتتالية على عدد من سلاسل الإنتاج الفلاحي والغذائي.

وشمل الانخفاض أيضا قطاع صناعة الملابس، الذي فقد 8.1 في المائة من إنتاجه خلال الأشهر الثلاثة الأولى من السنة. ويعكس ذلك استمرار التحديات التي تواجه صناعة النسيج والألبسة، في ظل اشتداد المنافسة الدولية وتغير أنماط الطلب في الأسواق الأوروبية، التي تعد الوجهة الرئيسية للصادرات المغربية في هذا المجال.

ولم تسلم الصناعات المرتبطة بالتجهيزات والمعدات من هذا التراجع، إذ انخفض مؤشر إنتاج المعدات الكهربائية بنسبة 11.3 في المائة، وهي أكبر نسبة تراجع مسجلة بين الفروع الصناعية الرئيسية خلال الفترة ذاتها، كما تراجع إنتاج المنتجات المعدنية، باستثناء الآلات والمعدات، بنسبة 5.8 في المائة، والصناعة الكيميائية بنسبة 1.4 في المائة، إضافة إلى قطاع التعدين المعدني “الميتالورجيا”، الذي انخفض إنتاجه بنسبة 8.9 في المائة.

وتبرز هذه الأرقام أن جزءا مهما من الصناعات المرتبطة بالتجهيز والبناء والمواد الوسيطة يواجه تباطؤا ملحوظا، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على الأداء الصناعي العام للمملكة، خصوصا أن هذه القطاعات ترتبط بشبكات واسعة من المقاولات الصغيرة والمتوسطة وسلاسل القيمة المحلية.

في المقابل، لم تكن الصورة قاتمة بالكامل، إذ أظهرت معطيات المندوبية وجود جيوب مقاومة داخل المنظومة الصناعية الوطنية، تقودها أساسا الصناعات الموجهة للتصدير والمرتبطة بالاستثمارات الأجنبية الكبرى، فقد واصلت صناعة السيارات، التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة قاطرة الصادرات المغربية، تحقيق نتائج إيجابية بارتفاع الإنتاج بنسبة 4.5 في المائة.

ويكتسي هذا الأداء أهمية خاصة بالنظر إلى المكانة التي بات يحتلها المغرب ضمن سلاسل الإنتاج العالمية لصناعة السيارات، حيث نجح خلال السنوات الأخيرة في ترسيخ موقعه كأكبر منتج للسيارات في إفريقيا، وأحد أبرز المنصات الصناعية الموجهة نحو السوق الأوروبية.

وسجل قطاع صناعة معدات النقل الأخرى أفضل أداء خلال الفترة نفسها، بعدما قفز مؤشر إنتاجه بنسبة 28.2 في المائة، في تطور يعكس الدينامية التي تعرفها الصناعات المرتبطة بوسائل النقل والتجهيزات الصناعية ذات القيمة المضافة المرتفعة.

كما حققت الصناعة الدوائية نموا بنسبة 4.5 في المائة، مدعومة باستمرار الطلب على المنتجات الصيدلانية وتوسع القدرات الإنتاجية الوطنية، فيما ارتفع إنتاج المنتجات المعلوماتية والإلكترونية والبصرية بنسبة 7.1 في المائة، وهو ما يعكس تنامي حضور الصناعات التكنولوجية داخل النسيج الصناعي المغربي، إلى جانب ارتفاع إنتاج المشروبات بنسبة 2.1 في المائة.

وعلى مستوى الصناعات الاستخراجية، أظهرت بيانات المندوبية السامية للتخطيط أن مؤشر الإنتاج سجل انخفاضا بنسبة 1.9 في المائة خلال الربع الأول من السنة الجارية، نتيجة تراجع إنتاج المنتجات المختلفة للصناعات الاستخراجية بنسبة 2 في المائة، رغم تسجيل ارتفاع طفيف في إنتاج الخامات المعدنية بلغ 0.7 في المائة.

أما قطاع الطاقة، الذي يشكل أحد المؤشرات الحيوية المرتبطة بالنشاط الاقتصادي والإنتاجي، فقد سجل بدوره تراجعا بنسبة 3.7 في المائة على مستوى إنتاج الطاقة الكهربائية، مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025، وهو ما يعكس تباطؤا نسبيا في الطلب الصناعي والاقتصادي على الطاقة خلال بداية السنة.

وتكشف هذه النتائج عن وجود تباين واضح داخل الاقتصاد الصناعي الوطني، بين قطاعات تقليدية تواجه ضغوطا مرتبطة بالسوق الداخلية والظرفية الاقتصادية الدولية، وقطاعات أخرى أكثر اندماجا في سلاسل الإنتاج العالمية، استطاعت الحفاظ على ديناميتها وتحقيق معدلات نمو إيجابية.

كما تعكس هذه المعطيات استمرار التحول التدريجي الذي تعرفه البنية الصناعية المغربية، حيث تتزايد مساهمة الصناعات المرتبطة بالتكنولوجيا والسيارات والنقل والصناعات الدوائية، مقابل تراجع نسبي لبعض الأنشطة التقليدية، التي ظلت لعقود تشكل العمود الفقري للإنتاج الصناعي الوطني.

ويأتي هذا التطور في وقت تراهن فيه المملكة على تعزيز التصنيع ورفع مساهمة القطاع الصناعي في النمو الاقتصادي، من خلال استقطاب استثمارات جديدة في مجالات السيارات والطيران والطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر والصناعات التكنولوجية.

غير أن معطيات الربع الأول من سنة 2026 تظهر أن هذا التحول لا يزال يجري بوتيرتين مختلفتين، الأولى تقودها القطاعات التصديرية الحديثة، والثانية تعكس الصعوبات التي تواجهها بعض الصناعات التقليدية في التكيف مع المتغيرات الاقتصادية والمنافسة الدولية المتزايدة.

وفي هذا الإطار، قال محمد الكتاني، الخبير الاقتصادي والباحث في السياسات العمومية، إن الرقم الأكثر إثارة للانتباه في معطيات الربع الأول من سنة 2026 ليس تراجع الإنتاج الصناعي بـ1.4 في المائة في حد ذاته، بل طبيعة القطاعات التي سجلت هذا التراجع، معتبرا أنه “عندما تنخفض الصناعات الغذائية بنسبة 3.5 في المائة، ومواد البناء والصناعات المعدنية اللافلزية بـ8.6 في المائة، والمعدات الكهربائية بأكثر من 11 في المائة، فنحن أمام مؤشرات ترتبط مباشرة بحيوية السوق الداخلية والاستثمار الخاص والطلب الاستهلاكي”.

في المقابل، سجل الكتاني، في تصريحه لـ”الصحيفة”، مواصلة السيارات ومعدات النقل تسجيل نتائج إيجابية بفضل ارتباطها بالأسواق الخارجية وسلاسل الإنتاج العالمية، وهذا يعني، بحسبه، أن الصناعة المغربية لا تواجه أزمة إنتاج عامة، بل تعيش حالة استقطاب بين قطاعات مندمجة بقوة في الاقتصاد العالمي، وأخرى لا تزال رهينة الظرفية المحلية.

واعتبر الباحث في السياسات العمومية أن المفارقة تكمن في أن المغرب نجح خلال السنوات الأخيرة في بناء قصص نجاح صناعية عالمية، خصوصا في السيارات والطيران، لكنه يواجه اليوم تحدي نقل هذه الدينامية إلى باقي مكونات النسيج الصناعي.

وأضاف المتحدث: “فالصناعة لا تقاس فقط بحجم الصادرات أو بعدد المصانع الكبرى، وإنما أيضا بقدرتها على تحريك الطلب الداخلي وخلق القيمة المضافة داخل مختلف سلاسل الإنتاج، لذلك فإن تراجع الصناعات الغذائية والكيميائية ومواد البناء يجب أن يُقرأ باعتباره جرس إنذار يستدعي الانتباه إلى وضعية قطاعات تشغل مئات الآلاف من المغاربة، وترتبط بشكل مباشر بالنمو الاقتصادي الوطني”.

وتابع أن المعطيات المتعلقة بالطاقة والصناعات الاستخراجية تضيف بعدا آخر للتحليل، لأن انخفاض إنتاج الكهرباء بنسبة 3.7 في المائة، وتراجع الصناعات الاستخراجية بـ1.9 في المائة، يوحيان بأن وتيرة النشاط الاقتصادي لم تستعد بعد كامل زخمها، وإذا استمرت هذه المؤشرات خلال الأرباع المقبلة، فقد تجد الصناعة المغربية نفسها أمام تحدٍّ مزدوج يتمثل في الحفاظ على تنافسية القطاعات التصديرية من جهة، وإعادة تنشيط القطاعات المرتبطة بالسوق الداخلية من جهة أخرى.

وختم الكتاني تصريحه لـ”الصحيفة” باعتبار أن ما يحدث اليوم هو انتقال تدريجي من نموذج صناعي قائم على الأنشطة التقليدية إلى نموذج تقوده الصناعات التكنولوجية وصناعة السيارات ومهن المستقبل، غير أن نجاح هذا الانتقال سيقاس بمدى قدرة المغرب على تجنب نشوء اقتصاد صناعي بسرعتين: الأولى تستفيد من العولمة والاستثمارات الأجنبية وتحقق نموا متواصلا، والثانية تعاني من ضعف الطلب وتآكل الهوامش التنافسية.

لذلك فإن التحدي الحقيقي خلال السنوات المقبلة لن يكون جذب الاستثمارات فقط، بل ضمان أن ينعكس هذا التحول الصناعي على مجمل النسيج الاقتصادي الوطني، وعلى التشغيل والقيمة المضافة المحلية.

المصدر: الصحيفة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...