تقف واجهات مراكز الصيانة ومحطات الوقود في مصر اليوم أمام مشهد مختلف تماما عن الأعوام الماضية، فالحديث عن “تغيير زيت السيارة” لم يعد مجرد روتين صيانة عابر، بل تحول إلى عملية حسابية دقيقة يجريها مالكو السيارات قبل التوجه إلى أقرب مركز خدمة.
فمع كل شهر يمر، وقبل أن تهدأ موجة ارتفاع، تفاجئ شركات الزيوت العالمية والمحلية السوق المصرية بقوائم أسعار جديدة، تدفع معها أسعار اللتر الواحد من بعض أنواع الزيوت إلى حاجز 700 جنيه (نحو 13.5 دولارا)، وتجبر السيارات على الانتظار لفترات أطول والتفكير الطويل قبل أن تحصل على حقنها المنتظمة من زيت المحرك.
موجات متتالية من الارتفاعات
منذ بداية عام 2026، يشهد سوق زيوت المحركات في مصر حالة من عدم الاستقرار غير المسبوقة، مع موجات ارتفاع متتالية طالت قوائم أسعار كبرى الشركات العاملة في السوق، وفي مقدمتها شل وكاسترول وإكسون موبيل وتوتال ومصر للبترول.
وكشفت شركة شل عن قائمة أسعار جديدة لمنتجاتها، تم تطبيقها اعتبارا من 1 مايو/أيار، حيث ارتفعت أسعار سلسلة Helix لزيوت محركات البنزين، ليصل سعر لتر Helix Ultra (5W30 / 5W40) إلى 690 جنيها (نحو 13.3 دولارا)، بينما بلغت عبوة الـ4 لترات 2570 جنيها (نحو 49.4 دولارا) وعبوة الـ5 لترات 2995 جنيها (نحو 57.6 دولارا)، أما زيت Helix Extra City 10W40 فسجل 410 جنيهات (نحو 7.9 دولارات) للتر و1740 جنيها (نحو 33.5 دولارا) لعبوة 5 لترات.
وفي 5 مايو/أيار الماضي، أقرت شركة توتال إنرجيز زيادات جديدة على أسعار زيوت المحركات في السوق المصرية، شملت فئات متعددة من زيوت Quartz وRubia وHi‑Perf، إلى جانب زيوت التروس والسوائل المختلفة.
كما شملت موجات الارتفاع شركة “مصر للبترول”، التي أعلنت في 3 مارس/آذار 2026 عن تحديث جديد لقوائم أسعارها، طالت زيوت المحركات والشحوم، وتراوحت قيمة الزيادة في بعض الأصناف بين 10 جنيهات (نحو 0.2 دولار) و50 جنيها (نحو دولار واحد) للتر الواحد، حيث سجل زيت مصر ألفا 240 جنيها (نحو 4.6 دولارات) للتر و920 جنيها (نحو 17.7 دولارا) لعبوة 4 لترات، وزيت مصر سوبر 155 جنيها (نحو 3 دولارات) للتر و575 جنيها (نحو 11.1 دولارا) لعبوة 4 لترات.
ولم تكن كاسترول بمنأى عن هذه الموجة، حيث أعلنت العلامة تحديث أسعار مجموعتي Edge وMagnatec، مسجلة سعر لتر Castrol Edge (5W30 / 5W40) 675 جنيها (نحو 13 دولارا)، وعبوة الـ4 لترات 2485 جنيها (نحو 47.8 دولارا).
أما شركة موبيل التابعة لشركة إكسون موبيل (ExxonMobil)، فكشفت عن قائمة أسعار جديدة شملت زيوت Mobil 1 (5W30 / 5W40) بسعر 665 جنيها (نحو 12.8 دولارا) للتر و2440 جنيها (نحو 46.9 دولارا) لعبوة 4 لترات، فيما سجل Mobil Super 10W40 390 جنيها (نحو 7.5 دولارات) للتر وMobil Special 20W50 200 جنيه (نحو 3.8 دولارات) للتر و720 جنيها (نحو 13.8 دولارا) لعبوة 4 لترات.
لماذا ترتفع الأسعار بهذا التسارع؟
يرجع ارتفاع أسعار زيوت السيارات في مصر إلى مجموعة من العوامل المتشابكة، تتصدرها تداعيات التوترات الجيوسياسية العالمية، وفي مقدمتها التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، والتي ألقت بظلالها المباشرة على أسعار النفط الخام ومشتقاته.
كما يتأثر سوق الزيوت بشكل مباشر بأي اضطرابات في سوق الطاقة العالمي، نظراً لارتباطه الوثيق بأسعار البترول، وهو ما يفسر تحركات الأسعار خلال الفترة الأخيرة.
غير أن المفاجأة الأكبر جاءت من داخل السوق المصرية نفسها، حيث فاق ارتفاع أسعار الزيوت بكثير الزيادات التي شهدتها المواد البترولية الأخرى؛ فرغم أن زيادة أسعار المواد الخام لا تتعدى 5%، قفزت أسعار الزيوت بنسب وصلت إلى 15%.
ويعود ذلك إلى أن الزيوت تعتمد بشكل أساسي على الإضافات الكيميائية المركزة (Additives) التي تُستورد بالكامل من الخارج وتتأثر مباشرة بتقلبات سعر الصرف وتكاليف الشحن البحري، فضلاً عن رغبة الشركات في التحوط مسبقا ضد أي قفزات فجائية في التكلفة.
وكان من المتوقع ألا تبدأ هذه الموجة من الارتفاعات قبل يونيو/حزيران الجاري، نظراً لأن أثر زيادات أسعار المواد البترولية لا يظهر في الأسواق إلا لاحقاً، إلا أن الواقع جاء مغايرا، فقد رفعت شركات الزيوت أسعارها خلال فترة وجيزة، متجاوزة بذلك كل التوقعات، مما يؤكد أن السوق يعيش حالة من الترقب الدائم للارتفاع التالي، خاصة أن أي اضطرابات في سلاسل الإمداد أو زيادة في تكاليف الشحن والنقل تنعكس سريعا على أسعار التجزئة للمستهلك المصري.
ووفقًا لأحدث تقارير مؤسسة موردور إنتليجنس (Mordor Intelligence)، من المتوقع أن يصل حجم سوق زيوت المحركات في مصر إلى 209.01 مليون لتر خلال عام 2026، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 3.03% حتى عام 2031، وتشير البيانات ذاتها إلى أن سيارات الركاب تستحوذ على 54.70% من حصة السوق، بينما تنمو سيارات النقل الخفيف بمعدل نمو سنوي مركب يصل إلى 3.47%.
كما تظهر الأرقام أن الزيوت المعدنية لا تزال تهيمن على 59.80% من السوق، بينما تتقدم الزيوت الاصطناعية بالكامل بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 3.55%. هذا التوزيع يعكس حالة “الانقسام” التي يعيشها المستهلك المصري بين الحاجة إلى زيوت عالية الجودة تحافظ على المحرك، وبين القدرة الشرائية المحدودة التي تدفعه نحو اختيارات أكثر اقتصادية وإن كانت أقل جودة.
ارتفاع الأسعار وترتيب الأولويات
الارتفاعات المتتالية في أسعار الزيوت لم تمر مرور الكرام على سلوك مالكي السيارات في مصر، ففي ظل هذه الموجة التصاعدية، بدأت ملامح جديدة تتشكل على طريق الصيانة اليومية ومنها:
- إطالة فترات تغيير الزيت: مع ارتفاع أسعار زيوت السيارات، يلجأ العديد من مالكي السيارات إلى تمديد الفترة بين عمليات تغيير الزيت، متجاهلين التوصيات الفنية للمصنعين، مما يعرض المحركات لخطر التآكل المبكر وضعف الأداء وزيادة استهلاك الوقود.
فبدلا من الالتزام بتغيير الزيت كل 5000 كيلومتر (للزيوت التقليدية)، يفضل البعض الانتظار حتى 7500 أو 10 آلاف كيلومتر، في محاولة لتخفيف العبء المالي الشهري. - التحول إلى الزيوت الاقتصادية: في عام 2025، كان سعر زيت مصر سوبر 7500 يبلغ 355 جنيها (نحو 6.8 دولارات)، ثم قفز إلى 555 جنيها (نحو 10.7 دولارات). أما في مايو/أيار 2026، فقد سجل زيت مصر سوبر 155 جنيها (نحو 3 دولارات) للتر (620 جنيها (نحو 11.9 دولارا) لعبوة 4 لترات). هذا التفاوت الواسع بين أسعار العلامات التجارية العالمية وأسعار الزيوت المحلية جعل شريحة واسعة من المستهلكين تتجه صوب البدائل الأقل سعرا، متخلية عن بعض المعايير العالمية للجودة لصالح خفض التكلفة المباشرة.
- تأجيل عمليات الصيانة الشاملة: ارتفاع أسعار الزيوت لم يقتصر تأثيره على الزيت وحده، بل امتد إلى الفلاتر ومواد التبريد وسوائل الفرامل، وجميعها ارتفعت أسعارها وفقاً لأحدث القوائم. نتيجة لذلك، يفضل عدد متزايد من السائقين تأجيل الصيانة الشاملة بالكامل، مكتفين بالحد الأدنى من الإجراءات للحفاظ على حركة السيارة.
- مخاطر الزيوت المغشوشة: فتحت فجوة الأسعار الباب لانتشار ظاهرة تجارة “الزيوت المقلدة” أو مجهولة المصدر، حيث يبحث بعض المستهلكين عن أرخص الأسعار دون وعي بخطورة ذلك على عمر المحرك.
ماذا تخبئ الأيام القادمة؟
وخلال يونيو/حزيران الجاري، تتجه الأنظار إلى موعد بدء تأثير زيادات أسعار المواد البترولية، فإذا ما تحقق هذا السيناريو، فقد نشهد موجة ارتفاع جديدة تضاف إلى القوائم السعرية التي شهدتها الفترة من يناير/كانون الثاني حتى مايو/أيار.
وفي الوقت نفسه، فإن تقلبات سعر الصرف وارتفاع تكاليف الشحن الدولي قد يبقيان الضغط قائمًا على قوائم الأسعار خلال النصف الثاني من العام.
وفيما تستمر الشركات في تحديث قوائمها بشكل شبه شهري، أصبح الهاجس الأكبر لكل سائق مصري هو التكلفة الحالية لتغيير الزيت، هذا التذبذب المستمر حول صيانة السيارات إلى عبء مالي لا يقل أهمية عن تكلفة الوقود اليومية في ميزانية العائلة.
المصدر: الجزيرة





