هل يواجه قطاع التأمين في غزة موتا سريريا؟

إيطاليا تلغراف متابعة

غزة – لم تكتفِ الحرب في قطاع غزة بإبادة الحجر والبشر بل امتدت نيرانها لتلتهم “شبكة الأمان المالي” التي تحمي ما تبقى من اقتصادها المنهك، حيث يجد اليوم قطاع التأمين في غزة نفسه محاصرا بين دمار مادي غير مسبوق أتى على آلاف المنشآت والسيارات والمصانع، وإفلاس حتمي يهدد بتصفية الشركات بعد أن بلغت خسائرها أرقاما فلكية تعجز أعتى المؤسسات المالية عن تحملها.

تبدأ المأساة من الأرض حيث تحولت الاستثمارات الكبرى وصناعات دامت لسنوات إلى ركام في لحظات، ويروي المدير التنفيذي لشركة شراب للتجارة وصناعة الزجاج إياد شراب بحرقة حجم الصدمة والخسارة التي تعرضت لها شركته التي كانت تعد أحد أعمدة هذا القطاع في غزة.

ففي ديسمبر/كانون الأول 2023 طالت الطائرات الإسرائيلية مصنع الزجاج التابع للشركة مخلفة وراءها دمارا كاملا للمبنى وحرائق أتت على الماكينات الحديثة وجزء كبير من البضائع والمخازن، مما تسبب في سحق كامل لأصول الشركة وتاريخها الصناعي.

ويعبر شراب عن واقع الإحباط الذي يعيشه التجار قائلا “الحرب دمرت المصنع والماكينات والبضائع مما تسبب بخسارة فادحة ودمار شامل لأصول الشركة”، ويضيف “بسبب هذه الخسائر التي لحقت بأغلب الشركات في غزة لا أعتقد أن أحدا سيلجأ إلى التأمين مجددا فالناس تعاني من ضعف حاد في الدخل وهناك خوف دائم من تجدد الدمار في أي لحظة خاصة بعد أن أدرك الجميع أن شركات التأمين لا تُغطي أضرار الحروب”.

موت سريري

أزمة الثقة بين المتضررين والشركات لا تتوقف عند حدود بنود “بوليصات التأمين” بل تتعداها إلى غياب المرجعية الحامية لحقوقهم، كما يقول شراب.

ويتابع “لم تعد هناك أي ثقة بقطاع التأمين حاليا والسبب الأساسي هو عدم وجود قانون واضح وملزم يجبر الأطراف على الدفع والتعويض في مثل هذه الظروف الكارثية”.

ووجه شراب صرخة استغاثة للمجتمع الدولي والجهات المعنية، مطالبا بضرورة التدخل الفوري لإنقاذ ما تبقى من شركته والمنشآت الصناعية الأخرى في غزة وإعادة إحيائها لضمان استمرار دوران عجلة الاقتصاد المحلي المهدد بالانهيار التام والموت السريري.

ويُعتبر قطاع التأمين أحد أهم أعمدة القطاع المالي غير المصرفي في فلسطين، حيث بلغت مساهمته حوالي 2.3% من مجمل الناتج المحلي للاقتصاد الفلسطيني قبل أشهر قليلة من حرب الإبادة على غزة، كما قال المحلل والخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر.

وأضاف أبو قمر “خلال الأشهر التي سبقت حرب الإبادة الجماعية في عام 2023 كان القطاع يعيش انتعاشا ملحوظا حيث بلغت مجمل أقساط التأمين المكتتبة حوالي 400 مليون دولار وهو رقم يعكس حجم الثقة والاعتماد المتبادل الذي كان قائما بين المنظومة الاقتصادية وشركات التأمين لحماية الاستثمارات، غير أن هذا الصعود الحاد في الأرقام تهاوى مع بدء الحرب حيث تحولت هذه المحفظة المالية الضخمة من مصدر أمان إلى عبء قانوني ومالي لا يمكن تحمله”.

ويرى أبو قمر أن غياب البيئة القانونية الملزمة والأولويات المعيشية الجديدة بعد الحرب قادا إلى حالة “العزوف القسري” التي تشهدها السوق اليوم، حيث بات البحث عن رمق الحياة يتقدم أي فكرة لتأمين المنشآت التي قد تختفي في لحظة ثانية.

ويشير أبو قمر إلى أن قطاع تأمين المركبات يستحوذ على الحصة الأكبر في سوق التأمين بنحو 68%  وفق بيانات عام 2023، ومع تدمير مئات آلاف المركبات في قطاع غزة جراء القصف تحولت هذه النسبة المرتفعة من مصدر دخل رئيسي للشركات إلى عبء مالي هائل وسط مطالبات تعويض تفوق القدرة البشرية على الاستيعاب، وفق وصفه.

خسائر تلامس 98%

لم تكن الخسائر التي أصابت قطاع التأمين مجرد تراجع عابر في المؤشرات المالية بل كانت سحقا ممنهجا لأصول الشركات واستثماراتها.

وعلى صعيد قطاع غزة نال هذا القطاع نصيبا كبيرا من الدمار كباقي القطاعات الاقتصادية حيث استهدفت المقرات والأصول الميدانية والمنشآت وصولا إلى قطاع المركبات.

ووفقا لبيانات وزارة النقل والمواصلات فإن أكثر من 65% من المركبات في قطاع غزة جرى تدميرها بالكامل جراء الحرب المستمرة، وفق أبو قمر.

ويقول المحلل الاقتصادي أبو قمر إن نسبة الخسائر عند شركات التأمين في قطاع غزة وصلت إلى مستوى غير مسبوق عند 98%.

معضلة مالية كبرى

من جهته كشف رئيس الاتحاد الفلسطيني لشركات التأمين أنور الشنطي عن أرقام صادمة تعكس الانكماش شبه الكامل للعمليات المالية في القطاع.

وقال للجزيرة نت إن شركات التأمين الأعضاء في الاتحاد (البالغ عددها 10 شركات) تراجع عملها في قطاع غزة بشكل غير مسبوق، فقد هوى حجم محفظتها التأمينية إلى 0.5% (نصف بالمئة) فقط من إجمالي محفظتها التأمينية العامة.

وعلى الصعيد القانوني والمالي أكد رئيس الاتحاد أن التغطيات التأمينية المتعارف عليها لا تُغطي أخطار الحروب والاضطرابات السياسية بشكل تلقائي، ومع ذلك هناك استثناءات وضعت الشركات أمام معضلة مالية كبرى.

ويقول “بعض الشركات والمؤسسات الكبرى كانت تمتلك ملحقا خاصا يسمى ملحق الأخطار السياسية مضافا إلى البوليصات، وبناء على هذا البند الموثق ستتحمل شركات التأمين الفلسطينية أضرارا وتعويضات مباشرة ناتجة عن الحرب تُقدر قيمتها بين 30 إلى 40 مليون دولار”.

لكن الشنطي أكد أن الخاسر الأكبر في هذا العدوان هو المواطن الفلسطيني الذي ضحى بكل ما يملك.

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...