اليمين يضغط على الملك فيليبي السادس لزيارة سبتة.. و”المونكلوا” يفرمل الخطوة خشية كلفتها السياسية والاقتصادية مع المغرب

إيطاليا تلغراف متابعة

في الوقت الذي تتصاعد فيه داخل إسبانيا دعوات سياسية وإعلامية تدفع الملك فيليبي السادس إلى زيارة سبتة في أعقاب أزمة الهجرة الأخيرة، يبدو القصر الملكي أكثر حذراً في التعامل مع الخطوة، ليس فقط بسبب حساسيتها الرمزية، وإنما لأن أي زيارة من هذا النوع قد تتحول فورا إلى ملف دبلوماسي مع الرباط، وستكون له كلفة سياسية واقتصادية وأمنية تتجاوز حدود المدينة.

وكان رئيس حكومة سبتة، خوان خيسوس فيفاس، قد أعلن عقب لقائه فيليبي السادس في قصر ماريفنت، يوم 6 غشت، أن الملك “ملتزم” بزيارة المدينة وسيقوم بها، من دون تحديد موعد، لكن الحكومة الإسبانية سارعت في اليوم التالي إلى ضبط الإيقاع، إذ أكد الوزير أوسكار لوبيز أن الزيارة ستتم “عندما يكون ذلك مناسباً” و”بالتنسيق مع الحكومة”، وهي صيغة بدت أقرب إلى إبقاء القرار مفتوحا من تحديد أجندة قريبة له.

والحذر هنا ليس اختيارا شخصيا للملك وحده، فالدستور الإسباني ينص في مادته 64 على أن أعمال الملك تُوقّع من رئيس الحكومة أو الوزراء المختصين، ما يعني أن خطوة بهذا الوزن السياسي تحتاج عمليا إلى توافق مع قصر مونكلوا، وهذا يفسر لماذا لا يستطيع فيليبي السادس تحويل الضغوط المتزايدة إلى قرار منفرد، حتى وإن أراد إرسال رسالة دعم قوية لسكان سبتة.

في المقابل، يعمل جزء من المعارضة واليمين القومي المتطرف على تحويل الزيارة إلى اختبار لمدى “حزم” الدولة في الدفاع عن “سيادتها” على مدينة سبتة، حيث أشاد حزب الشعب بتحركات الملك ولقائه مع فيفاس، فيما طالب رئيس مليلية، المنتمي للحزب نفسه، بأن يزور بيدرو سانشيز المدينة برفقة فيليبي السادس، أما “فوكس”، فصعّد خطابه بشأن الأزمة واعتبر ما جرى “غزوا” و”عملاً حربيا”، مطالبا بعسكرة دائمة للحدود، وهو مناخ يجعل زيارة الملك جزءا من معركة رمزية داخلية تتجاوز بعدها البروتوكولي.

وأضافت صحيفة “لا راثون” مزيداً من الضغط من خلال مقابلة مع أستاذ العلاقات الدولية كارلوس إتشيفيريا، مدير مرصد سبتة ومليلية، الذي دعا الملك إلى التوجه إلى سبتة “بشكل طبيعي ومن دون عقد”، وانتقد ما وصفه بسياسة خارجية هدفها الدائم تجنب إغضاب المغرب.

غير أن ذاكرة عام 2007 لا تزال حاضرة بقوة في مدريد، ففي 5 و6 نونبر من ذلك العام، زار الملك خوان كارلوس الأول والملكة صوفيا سبتة ومليلية، في أول زيارة رسمية لهما خلال عهده، ورد المغرب باستدعاء سفيره في مدريد، عمر عزيمان، للتشاور لمدة غير محددة، احتجاجا على الزيارة التي وصفتها الخارجية المغربية آنذاك بأنها “مؤسفة”، وتحدث بلاغها عن “المدينتين المحتلتين”.

وكانت الرباط، حينها، قد دخلت في أزمة دبلوماسية حادة مع مدريد استمرت نحو شهرين، قبل أن تبدأ عملية تطبيع الوضع بعد زيارة وزير الخارجية الإسباني ميغيل أنخيل موراتينوس إلى الرباط ورسالة من رئيس الحكومة خوسيه لويس رودريغيث ثاباتيرو إلى الملك محمد السادس، أفضت إلى عودة السفير المغربي إلى مدريد.

واليوم تبدو كلفة أزمة مماثلة أكبر، فإسبانيا هي الشريك التجاري الأول للمغرب، ويتجاوز حجم المبادلات الثنائية 22.5 مليار يورو سنويا، مع وجود أكثر من 350 شركة إسبانية مستقرة في المملكة، وإلى جانب الاقتصاد، ترتبط مدريد بالرباط بملفات الهجرة والأمن والتعاون الحدودي، فضلاً عن التحضير المشترك لمونديال 2030.

كما أن للملكية الإسبانية قناة خاصة في علاقتها بالقصر المغربي، وهي ورقة دبلوماسية يرى بعض الخبراء أن قيمتها تكمن في احتواء الأزمات بعيداً عن الاستعراضات العلنية، لا في تحويل الملك إلى طرف مباشر في سجال سياسي قد يصعب لاحقا التراجع عن آثاره.

لهذا تبدو زيارة فيليبي السادس إلى سبتة عالقة بين منطقين: أولاها، ضغط داخلي يريد منها صورة “سيادية” قوية، وثانيها، حسابات دولة تعرف أن الصورة نفسها قد تفتح أزمة جديدة مع الرباط، وبين ضغط اليمين وذاكرة 2007، يبقى الخيار الأكثر حذرا حتى الآن هو إبقاء الزيارة وعدا قائما، لكن من دون موعد سياسي جاهز.

المصدر: الصحيفة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...