بعد قرار الحكومة تعليق الاستيراد لشهرين.. المغرب يحرم القمح الأوروبي من أحد أكبر أسواقه ويكبد المصدرين خسائر كبيرة
يواجه المصدرون الأوروبيون للقمح واحدا من أكثر المواسم تعقيدا خلال السنوات الأخيرة بعدما بدأت مؤشرات السوق الدولية تؤكد أن المغرب الذي تحول منذ 2022 إلى أحد أكبر المشترين للقمح الأوروبي بسبب توالي سنوات الجفاف وتراجع الإنتاج المحلي، ويتجه إلى تقليص وارداته بشكل كبير خلال الموسم التسويقي 2026-2027، وهو ما يهدد بحرمان الاتحاد الأوروبي من أحد أهم منافذه التجارية في جنوب البحر الأبيض المتوسط ويجبره على البحث عن أسواق بديلة داخل إفريقيا وآسيا.
ويأتي هذا التحول في لحظة دقيقة بالنسبة لسوق الحبوب العالمية، حيث تتقاطع عدة عوامل ضاغطة على المصدرين الأوروبيين، من بينها استمرار الهيمنة الروسية على تجارة القمح الدولية وتراجع الطلب الصيني واستمرار إغلاق السوق الجزائرية عمليا أمام القمح الفرنسي إلى جانب تحسن المحاصيل الزراعية في عدد من الدول المستوردة وفي مقدمتها المغرب.
ووفق تحليل نشرته وكالة رويترز استنادا إلى معطيات السوق الدولية وتقديرات المتعاملين والخبراء، فإن المصدرين الأوروبيين يستعدون لدخول موسم 2026-2027 الذي ينطلق رسميا في يوليوز المقبل في ظروف تختلف جذريا عن السنوات الماضية، حين كانت المملكة المغربية تمثل إحدى أهم الوجهات التي ساهمت في امتصاص جزء مهم من فائض الإنتاج الأوروبي.
وخلال المواسم الأخيرة وخاصة منذ سنة 2022، فرض الجفاف نفسه كعامل حاسم في السياسة الزراعية المغربية فقد تراجعت المحاصيل الوطنية من الحبوب إلى مستويات تاريخية ما دفع المملكة إلى تكثيف وارداتها من القمح اللين والصلب لتأمين حاجيات السوق المحلية والحفاظ على استقرار أسعار الخبز والدقيق والمنتجات الغذائية الأساسية.
وبفضل هذا الوضع، استفادت دول الاتحاد الأوروبي خصوصا فرنسا ورومانيا وألمانيا وبلغاريا من الطلب المغربي المتزايد وتحول المغرب خلال بعض المواسم إلى واحد من أكبر زبناء القمح الأوروبي على الإطلاق في وقت كانت فيه أسواق أخرى تشهد انكماشا أو اضطرابات تجارية.
غير أن المعطيات المرتبطة بالموسم الفلاحي الحالي تشير إلى تغير مهم في المشهد، فقد ساهمت التساقطات المطرية التي عرفتها المملكة خلال ربيع 2026 في تحسين أوضاع الزراعات الخريفية والرفع من توقعات إنتاج الحبوب مقارنة بالمواسم السابقة التي اتسمت بالجفاف الحاد.
وفي هذا السياق، أعلنت السلطات المغربية تعليق استيراد القمح اللين خلال شهري يونيو ويوليوز من السنة الجارية، في إجراء يهدف إلى حماية المنتوج الوطني وضمان ظروف ملائمة لتسويق المحصول المحلي داخل الأسواق المغربية ويعتبر هذا القرار أول إشارة عملية على أن الرباط تستعد لتقليص اعتمادها على الواردات خلال الموسم المقبل.
وتتوقع وزارة الزراعة الأمريكية أن تنخفض واردات المغرب من القمح بحوالي 50 في المائة خلال الموسم التسويقي 2026-2027 مقارنة بالموسم السابق، وهو تراجع كبير بالنظر إلى المكانة التي أصبح يحتلها المغرب داخل خارطة تجارة الحبوب الأوروبية.
ولا يتعلق الأمر فقط بتراجع الكميات المستوردة، بل بتغير في التوازنات التجارية التي تشكلت خلال السنوات الأخيرة فبالنسبة للعديد من المصدرين الأوروبيين كان المغرب يمثل سوقا مستقرة وقريبة جغرافيا وقادرة على استيعاب كميات كبيرة من القمح في فترات زمنية قصيرة، وهو ما جعله أحد أهم الزبناء الذين ساهموا في تخفيف آثار المنافسة العالمية.
ويرى محللون أن تقلص الطلب المغربي سيؤدي إلى زيادة الضغوط على الأسواق الأوروبية التي تعاني أصلا من فائض نسبي في العرض ومن صعوبات متزايدة في تسويق الإنتاج خارج الاتحاد الأوروبي.
وتزداد هذه الضغوط حدة بسبب استمرار المنافسة الروسية، فروسيا عززت خلال السنوات الأخيرة موقعها كأكبر مصدر للقمح في العالم، مستفيدة من وفرة الإنتاج ومن انخفاض تكاليف الشحن ومن سياسات تسعير هجومية تجعل من الصعب على المنتجين الأوروبيين مجاراتها.
وتشير بيانات السوق الدولية إلى أن القمح الروسي ما يزال يباع في عدد من الأسواق الرئيسية بأسعار تقل عن نظيره الأوروبي، ما يمنحه أفضلية واضحة لدى الدول المستوردة التي تبحث عن أقل الأسعار في ظل الضغوط التضخمية العالمية.
ولم تعد المنافسة الروسية تقتصر على الشرق الأوسط وشمال إفريقيا فقط، بل امتدت إلى إفريقيا جنوب الصحراء وآسيا، وهي الأسواق نفسها التي يحاول الأوروبيون التوسع فيها لتعويض خسارة بعض زبنائهم التقليديين.
ويؤكد دوناتاس يانكاوسكاس، المحلل بمؤسسة “CM Navigator” لرويترز أن الموسم الجديد لن يكون سهلا بالنسبة للمصدرين الأوروبيين، موضحا أن استمرار سياسة الأسعار العدوانية التي تعتمدها دول البحر الأسود إلى جانب تحسن المحاصيل الزراعية في عدد من الدول المستوردة، قد يؤدي إلى تقلص الطلب العالمي على القمح الأوروبي.
وأضاف أن أي انخفاض إضافي في الطلب من جانب الدول التي كانت تعتمد بشكل كبير على الواردات مثل المغرب، سيزيد من صعوبة المهمة أمام المصدرين الأوروبيين الذين سيضطرون إلى خوض منافسة أكثر شراسة من أجل الحفاظ على حصصهم السوقية.
ولا تقتصر المشاكل الأوروبية على المغرب والمنافسة الروسية، ففرنسا، التي تعد تاريخيا أحد أكبر منتجي ومصدري القمح داخل الاتحاد الأوروبي، تواجه بدورها تحديات متراكمة.
فالعلاقات المتوترة بين باريس والجزائر أدت إلى تراجع شبه كامل للصادرات الفرنسية نحو السوق الجزائرية، التي كانت لعقود طويلة أحد أهم زبناء الحبوب الفرنسية وقد سمح هذا الوضع لروسيا ودول أخرى باحتلال مواقع متقدمة داخل السوق الجزائرية على حساب فرنسا.
كما أن الطلب الصيني لم يعد يشكل متنفسا حقيقيا للمصدرين الأوروبيين كما كان في السابق ورغم تداول معلومات في الأسواق حول بيع شحنة فرنسية إلى الصين خلال الفترة الأخيرة، فإن حجم المشتريات الصينية يبقى أقل بكثير من المستويات التي كانت تسجل خلال السنوات الماضية.
وفي مواجهة هذه التحديات، بدأ المتعاملون الأوروبيون البحث عن أسواق جديدة، وتبرز إندونيسيا كإحدى الوجهات الواعدة، خاصة بعد حصول القمح الألماني على الشهادات اللازمة لدخول السوق الإندونيسية كما تواصل فرنسا إجراءاتها التقنية والتنظيمية للحصول على الاعتماد نفسه.
لكن عددا من الخبراء يشككون في قدرة هذه الأسواق على تعويض الخسائر المحتملة المرتبطة بتراجع الطلب المغربي أو استمرار غياب السوق الجزائرية.
وقال أحد كبار تجار الحبوب الألمان إن العثور على أسواق جديدة قادرة على استيعاب ملايين الأطنان من القمح الأوروبي أصبح أكثر صعوبة من أي وقت مضى، مشيرا إلى أن المنافسة القادمة من منطقة البحر الأسود تجعل هوامش المناورة محدودة للغاية.
وأضاف أن المغرب وغرب إفريقيا يظلان في الوقت الراهن أبرز المناطق التي يعول عليها المصدرون الأوروبيون للحفاظ على جزء من مبيعاتهم الخارجية.
وفي الوقت الذي تواجه فيه فرنسا هذه الصعوبات، تواصل رومانيا تعزيز موقعها كقوة صاعدة داخل تجارة الحبوب الأوروبية فقد تجاوزت خلال العامين الأخيرين فرنسا وأصبحت أكبر مصدر للقمح داخل الاتحاد الأوروبي، مستفيدة من موقعها الجغرافي القريب من البحر الأسود ومن انخفاض تكاليف الإنتاج والشحن.
ويرى العديد من المتعاملين أن أداء الصادرات الأوروبية يبدو مختلفا تماما عند استبعاد رومانيا وبلغاريا من المعادلة، حيث تظهر هشاشة أكبر لدى المنتجين في أوروبا الغربية مقارنة بمنافسيهم في شرق القارة.
ورغم هذه التحديات، لا يستبعد بعض المحللين تحسن الصادرات الأوروبية خلال الموسم الجديد بفضل ارتفاع المخزونات داخل الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى توقعات بانخفاض الإنتاج في دول منافسة مثل الأرجنتين وأستراليا، وهو ما قد يخلق فرصا إضافية أمام القمح الأوروبي في بعض الأسواق.
غير أن المؤكد اليوم هو أن المغرب أصبح عاملا مؤثرا في توازنات سوق الحبوب العالمية أكثر مما كان عليه في السابق فقرار يتعلق بتعليق واردات القمح لشهرين فقط أو توقع بانخفاض الواردات بنسبة 50 في المائة، أصبح قادرا على إثارة نقاش واسع داخل الأوساط الزراعية والتجارية الأوروبية وعلى دفع كبار المصدرين إلى إعادة رسم استراتيجياتهم والبحث عن منافذ جديدة لتصريف إنتاجهم.
وبينما يمثل تحسن المحصول الوطني خبرا إيجابيا بالنسبة للمغرب من زاوية الأمن الغذائي وتقليص فاتورة الواردات والحد من الضغوط على الميزان التجاري، فإنه في المقابل يفرض واقعا جديدا على سوق الحبوب الأوروبية التي تجد نفسها أمام فقدان تدريجي لأحد أكثر زبنائها أهمية خلال السنوات الأخيرة، في وقت تشتد فيه المنافسة الدولية وتضيق فيه هوامش الربح بالنسبة للمنتجين والمصدرين على حد سواء.
المصدر: الصحيفة





