حكاية فاطمة.. أول مذيعة كويتية كفيفة في وكالة “كونا”

إيطاليا تلغراف متابعة

الكويت- في استوديو صغير داخل مقر وكالة الأنباء الكويتية “كونا”، تجلس فاطمة السلمان أمام الميكروفون لتقدّم موجز الأخبار، تماما كأي مذيع آخر، لكن فاطمة الكفيفة أضافت للقصة بعدا آخر.

أصبحت هذه الفتاة أول مذيعة من ذوي الإعاقة في الكويت تصل إلى هذا الموقع، وتكشف رحلتها من طالبة أحبّت الإذاعة المدرسية إلى مذيعة في وكالة الأنباء الوطنية، حجم الإصرار الذي دفعها لكسر الصورة النمطية عن قدرات ذوي الإعاقة.

وفي حديث للجزيرة نت، تحكي فاطمة عن طموحها في الوصول إلى العالمية، وتقول: “وجودي كمذيعة كفيفة في وكالة الأنباء الكويتية “كونا” حلم يتحقق، وهذا مصدر فخر واعتزاز بالنسبة لي كوني أول مذيعة من ذوي الإعاقة في الكويت، وإن شاء الله أكون على قدر هذه المسؤولية”.

تعزيز المهارات

منذ كانت طالبة في المدرسة، حرصت فاطمة كل عام دراسي على النشاط في الإذاعة المدرسية، وقالت: “كنت أشعر أن العمل في الإذاعة يشبهني”.

في استعدادتها لمهنة المذيعة، تقول فاطمة “حرصت على أخذ دورات في التعليق الصوتي والتقديم الإذاعي والتلفزيوني، ثم عزّزت هذه المهارات بدراسة الإعلام في الجامعة”.

ومن الخبرة التي راكمتها، ترى أنه “لا توجد مصادفات في العمل الإعلامي، لأن المهارات كثيرة والكفاءات كثيرة، وعلى الإنسان أن يثبت نفسه ويسعى دائما للاجتهاد، فلكل مجتهد نصيب”.

ولا تنسى الفتاة ذات الوجه البشوش، أن الجميع دعمها في مراحل حياتها التعليمية، بدءا من الأسرة والأصدقاء، مرورا بمعلماتها في المدرسة، وصولا إلى الأساتذة والمدربين، موضحة أن دعمهم لها كان غير محدود خلال رحلة تعلّمها.

وأشارت إلى أن الدورات التي حصلت عليها شملت جميع أنواع التعليق الصوتي والدبلجة والكتب الصوتية والشعر وغيرها، وبرغم ذلك واجهت في بداية عملها صعوبة في قراءة النصوص والوصول إليها.

“لا مستحيل”

ومع التطور التقني أصبح لدى وكالة الأنباء الكويتية جهاز يعمل بطريقة برايل (القراءة للمكفوفين)، يشبه الكمبيوتر تقريبا، حيث يمكن من خلاله فتح البريد الإلكتروني واستقبال النصوص وقراءتها بسهولة.

واجهت فاطمة في بداياتها من لم يؤمن بقدراتها، لكنها تقول “أثبتّ لنفسي أولا أنه لا يوجد شيء مستحيل، ثم أثبتّ ذلك لهم، وحاولت ألا أُعير الكلام المُحبِط أي اهتمام، خاصة من أشخاص لا يعرفونني ولا يعرفون ما يمكن أن أقدّمه..”. وأضافت أن حكم المجتمع وافتراضاته المسبقة أصعب مشكلة تواجه ذوي الإعاقة، دون الاستماع إليهم أو معرفة ما يمكن أن يقدّمونه.

تحدي السرعة

حرصت فاطمة، كما تقول، على مواكبة التكنولوجيا وتعلّم القراءة السريعة، خاصة أن القراءة بطريقة “برايل” تكون أبطأ نوعا ما من قراءة الشخص المبصر، لأنها تتطلب من الكفيف تمرير يده على كل حرف على حدة لتكوين الكلمة، بخلاف المبصر الذي يقرأ الكلمة كاملة بنظرة واحدة وبسرعة أكبر.

وتابعت “لكي أتقن عملي كمذيعة، كان عليّ أن أقرأ بشكل دائم وسريع لأصبح أسرع، فأنا أقرأ كل يوم وأحب القراءة، وتكرارها يوميا لم يكن أمرا مرهقا بالنسبة لي، بل كان ممتعا”.

وقالت: “في بداية تعييني بوكالة (كونا) كنت خائفة من ألا أستطيع تحرير الأخبار، لكن التجربة كانت سهلة جدا بفضل تعاون الزملاء والمسؤولين في الوكالة، وصولا إلى إتاحة الفرصة لي اليوم لتقديم الموجز الإخباري”.

توفر الفرص

وأشارت إلى أن دمج ذوي الإعاقة في المجتمع الكويتي يزداد يوما بعد يوم، في جهات مختلفة، لكن الطموح لا يزال قائما لتحقيق المزيد، خاصة أن كل خطوة نحو الدمج والتمكين تزيد من كفاءة الإنتاج بشكل عام.

وأكدت على أن الأمر برمّته يتوقف على توفر الفرص؛ “لو تُتاح الفرصة، سيأتي الكفيف ويقدّم أفضل ما لديه، وحتى لو لم أقدّم الموجز، أستطيع أن أرفع هاتفي وأسجّل فيديو يكون له صدى عند الناس، خدمة للمجتمع”.

وشددت فاطمة على أنه لا يوجد طريق سهل، لكن الإنسان طالما يعمل في المجال الذي يحبه، سيرى الصعوبات التي يواجهها مغامرات يستطيع تجاوزها، مبينة أنها فوجئت بتفاعل كبير من الناس عند تقديمها النشرة الإخبارية في “كونا”.

ودعت إلى زيادة الوعي بقدرات ذوي الإعاقة في المجتمع، “فزيادة الوعي مطلوبة، وأقول لكل الناس إن الحلم موجود، سواء عند الكفيف أو غير الكفيف، فكلنا من حقنا أن نحلم، ومن حقنا أن نحقق هذه الأحلام”.

ولادة فاطمة

من جانبها، تذكر مريم الحمد، والدة فاطمة السلمان للجزيرة نت أن فاطمة كانت مختلفة عن إخوانها منذ الولادة، وتقول “حسّيت فيها ذكاء، كانت تستمع للناس وتختلط بهم من صغرها، وكلما كبرت زاد عندها هذا الشيء”.

وأضافت الأم أن فاطمة كانت دائما متفوقة في المدرسة، وتحصد المراتب الأولى على زميلاتها، واستطاعت أن تثبت نفسها، “وخلال رحلتها اجتهدت كثيرا، والحمد لله”.

وقالت: “لم نقصّر مع فاطمة في كافة المجالات، وكنا نشجعها على طول الطريق. وأقول إن دور الأم كبير، والمساندة كانت كبيرة، وحتى من قبل والدها، شجعها كثيرا، وتحمل التنقل والذهاب معها إلى كل مكان”.

وتابعت: “وأنا بدوري كأم ما تركتها لخادمة أبدا، وحرصت دائما على أن أكون معها لكي تكون تربية ابنتي صحيحة”.

عندما ولدت فاطمة كفيفة، تقول الأم ” لم نكن نعلم كيفية التعامل معها، لذلك حرصت دائما أن أكون مع الأخصائيات الاجتماعيات في المدرسة أسألهن عن كل شيء، وبفضل الله وبفضل الدعاء قدرنا نتعامل معها بسهولة”. والآن تقول والدتها “توقعت أن تصل إلى مكانة مرموقة، لأنها ذكية ومجتهدة، وأتمنى لها أن تتقدم أكثر”.

حضور مميز

بدوره، يشيد المدير العام لوكالة الأنباء الكويتية “كونا” محمد المناعي، بما حققته فاطمة السلمان من حضور مهني متميز منذ انضمامها إلى الوكالة، وبما أظهرته من إصرار وطموح وقدرة على تطوير تجربتها الصحفية، وصولا إلى مشاركتها الناجحة في تقديم موجز “كونا” الإخباري.

وقال المناعي للجزيرة نت إن تجربتها تعكس نموذجا ملهما للكوادر الوطنية القادرة على تحويل التحديات إلى فرص للنجاح والتميز، مؤكدا أنها استطاعت بعزيمتها واجتهادها أن تثبت حضورها في العمل الصحفي، وأن تضيف إلى تجربتها في النشرة العامة تجربة جديدة من خلال تقديم الموجز الإخباري بمهنية وثقة وحضور لاقى استحسانا وتفاعلا واسعين.

وأطلقت “كونا” في مايو/أيار 2024 “موجز كونا الإخباري” في إطار جهودها لتطوير أدواتها الإعلامية وتنويع منتجاتها الإخبارية، ويقدم الموجز نخبة من المذيعات والمذيعين الذين يقدمون أبرز الأخبار والتطورات المحلية والإقليمية والدولية في قالب إعلامي حديث يعزز وصول محتوى الوكالة إلى مختلف شرائح الجمهور.

وأوضح المناعي أن مشاركة فاطمة في تقديم الموجز تجسّد بصورة عملية قدرة الأشخاص من ذوي الإعاقة على الإبداع والتميز متى توافرت لهم الفرصة والدعم المناسبان.

وأشار إلى أن فاطمة خاضت تجربة العمل الصحفي بثقة وإصرار، واستطاعت تجاوز الكثير من التحديات لتقدّم نموذجا يعكس قوة الإرادة والرغبة الحقيقية في النجاح، مشيدا بما تتمتع به من ثقافة ومعرفة وحرص على التعلم والتطور المستمر.

من جانبه، قال الوكيل السابق في وزارة الإعلام لشؤون الإذاعة الإعلامي يوسف مصطفى، إن فاطمة السلمان فخر لذوي الإعاقة البصرية، فهي إنسانة نشطة في مواقع التواصل الاجتماعي، وتعبّر عن وجهة نظر الشخص الكفيف الكويتي بإبداع.

وأضاف مصطفى للجزيرة نت أنه من أوائل من شجّع فاطمة على السير في طريق الإلقاء الإذاعي والتلفزيوني، ومن أوائل من أجرى معها لقاءً وقدّمها للجمهور، معربا عن سعادته بأن تشق طريقها في هذا المجال الصعب، متمنيا من وزارة الإعلام أن تمنحها فرصة للتقديم في التلفزيون.

مثال يحتذى به

وتشير أحدث إحصائيات الهيئة العامة لشؤون ذوي الإعاقة، إلى أن عدد ذوي الإعاقة البصرية في الكويت يبلغ 5519 شخصا، وهو رقم يضع تجربة فاطمة السلمان في سياق أوسع كمثال يحتذى به في التفوق والاستمرار من أجل النجاح.

من جهته، قال رئيس جمعية المكفوفين الكويتية فايز العازمي، إن الجمعية تطالب منذ سنوات بتمكين المكفوفين ودمجهم في المجتمع، خاصة أن الشخص الكفيف قادر على أن يحقق ذاته وأن يخدم وطنه، “فلا يوجد عمل لا يستطيع القيام به”. وأضاف للجزيرة نت أن دولة الكويت حريصة على دمج ذوي الإعاقة في المجتمع.

وتمثل فاطمة السلمان نسبة كبيرة من ذوي الإعاقة الذين لمعت أسماؤهم بعد تجارب ناجحة، ومنهم لاعب النادي الكويتي الرياضي للمعاقين أحمد نقا المطيري.

وقال المطيري للجزيرة نت إن فاطمة أثبتت من خلال وجودها في نشرة “كونا” أن الجميع قادر، وأصبحت من خلال حضورها الإعلامي قدوة لـ”أصحاب الهمم”.

البيئة المحيطة

من ناحية أخرى، يقول أستاذ علم الاجتماع في جامعة الكويت الدكتور جميل المري إن فاطمة السلمان تمتلك حضورا إعلاميا ورسالة في الوقت نفسه، ويرجع ذلك إلى البيئة التي أحاطت بها؛ ” فلولا الدعم الكبير من والدَي فاطمة منذ صغرها، لما رأيناها اليوم إعلامية متألقة”.

وقال المري للجزيرة نت إن المجتمع الكويتي والدولي عاصر العديد من الأفذاذ عبر حقب زمنية مختلفة من أصحاب الإعاقة، ممن قدّموا لأوطانهم الكثير من العلوم والأدب، مثل الأديب والكاتب والقاضي الشرعي الكويتي عبد الرزاق البصير، الذي فقد بصره في صغره وتعلّم العديد من العلوم، وأُطلق عليه لقب “البصير” لما حمله من رؤية وبصيرة.

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...