الإفراج عن علي المرابط… هل يكتب المغرب فصلا جديدا في علاقته مع الصحافة المستقلّة ؟

 

 

 

 

 

نبيل التويول / إيطاليا تلغراف

 

 

بعد أكثر من عشرين عاما على تحوله إلى أحد أبرز وجوه الصدام بين السلطة والصحافة في المغرب، عاد الصحافي علي المرابط إلى بلاده عبر البوابة نفسها التي عاد منها آلاف المغاربة لقضاء عطلتهم الصيفية، لكنه لم يغادر مطار طنجة مواطنا عاديا. دقائق قليلة كانت كافية لينتقل الرجل من قاعة الوصول إلى دائرة التحقيق، قبل أن يغادر، بعد ثلاثة أيام فقط، حرا طليقا، وبجواز سفره، وأجهزته الإلكترونية، ومن دون قرار يمنعه من العودة إلى منفاه الاختياري في المملكة القشتالية.

ذلك المشهد، الذي بدا مستحيلا بالنسبة إلى كثيرين ممن تابعوا مسار الرجل منذ مطلع الألفية، لم يكن مجرد تطور إجرائي في ملف قضائي، بل حدثا سياسيا وإعلاميا استثنائيا أعاد إلى الواجهة أسئلة ظلت مؤجلة لأكثر من عقدين: هل يقف مغرب العهد الجديد أمام مقاربة جديدة في تدبير الملفات المرتبطة بحرية الصحافة؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون قرارا قضائيا تحكمه خصوصية هذا الملف وحده؟

فمنذ مطلع الألفية الجديدة، ارتبط اسم علي المرابط بأحد أكثر فصول الصحافة المغربية إثارة للجدل. فقد تحولت تجربته، بما رافقها من محاكمات ومنفى طويل، إلى جزء من ذاكرة النقاش حول حدود النقد، واستقلال الصحافة، ومكانة الكلمة في المجال العام. ولذلك لم يكن مستغربا أن تتحول عودته إلى المغرب بعد سنوات طويلة إلى حدث استثنائي، وأن يتجاوز الاهتمام بها حدود وسائل الإعلام الوطنية ليصبح موضوع متابعة دولية واسعة.

غير أن ما استوقف المراقبين لم يكن قرار توقيفه بقدر ما كان قرار الإفراج عنه، وإعادته إلى حالة السراح مع استمرار الإجراءات القانونية، من دون أن يتحول الملف إلى احتجاز طويل الأمد. وفي الوقت نفسه، اتسم الخطاب الذي صدر عن المرابط بعد خروجه بدرجة ملحوظة من الهدوء، إذ أعلن استعداده للتعاون مع القضاء واحترام المسار القانوني، مع تمييزه بين ملاحظاته على ظروف توقيفه وبين تعامله مع جهات التحقيق. وقد أسهم ذلك في خفض منسوب التوتر الإعلامي الذي رافق الأيام الأولى للقضية.

ولا يمكن، من الناحية المهنية، اعتبار هذا التطور دليلا على تغير جذري في السياسة العامة للدولة تجاه الصحافة الحرّة، كما لا يجوز، في المقابل، التعامل معه باعتباره واقعة معزولة بلا دلالة. فالتحليل الرصين يقتضي الاعتراف بأن كل ملف له خصوصيته القانونية، وأن قضايا صحفيين مثل توفيق بوعشرين، وحميد المهدوي، وعلي أنوزلا … نشأت في سياقات مختلفة، وأثارت نقاشات قانونية وحقوقية متباينة، وهو ما يجعل المقارنة المباشرة بينها وبين ملف علي المرابط أمرا يحتاج إلى كثير من التحفظ.

ومع ذلك، يصعب تجاهل السياق الأوسع الذي يأتي فيه هذا التطور. فالمغرب يقف اليوم أمام استحقاقات كبرى تتجاوز حدوده الوطنية. فهو شريك في تنظيم كأس العالم 2030، وهو مشروع لا يختبر جاهزية البنية التحتية والتنظيمية فحسب، بل يسلط الضوء أيضا على البيئة المؤسساتية، وعلى صورة البلاد في مجالات الحقوق والحريات، وهي ملفات تحظى باهتمام متزايد من الإعلام والمنظمات الدولية.

وفي الداخل المغربي، تتجه الأنظار إلى الانتخابات التشريعية المقبلة، بما تفرضه من حاجة إلى مناخ عمومي يتسم بقدر أكبر من الثقة والانفتاح. كما يعيش القطاع الإعلامي نفسه مرحلة دقيقة، في ظل الجدل الذي أحاط بالمجلس الوطني للصحافة وبكيفية تدبير المرحلة الانتقالية للمهنة، وهو نقاش يعكس حاجة متجددة إلى ترسيخ مؤسسات مهنية تحظى بثقة الصحفيين والرأي العام معا.

ولعل التجربة المغربية نفسها تقدم شواهد على أن إدارة الاختلاف لم تكن دوما رهينة منطق واحد. فقد عرفت البلاد، في مراحل مختلفة، مبادرات فتحت المجال أمام عودة شخصيات معارضة إلى قلب الحياة العامة، وكان من بين رموز تلك المرحلة الراحل عبد الرحمن اليوسفي الذي ترأس حكومة التناوب التوافقي، و الراحل أحمد احرزني الذي انتقل من تجربة الاعتقال السياسي إلى رئاسة المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان. وهذه السوابق التاريخية لا تصلح دليلا على تكرار المسار ذاته اليوم، لكنها تذكر بأن التاريخ السياسي المغربي عرف، في محطات معينة، انتقالات قائمة على توسيع مجال المشاركة والحوار.

وانطلاقا من هذا المنظور، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بما إذا كان الإفراج عن علي المرابط يمثل قطيعة مع الماضي، بل بما إذا كان سيشكل مؤشرا أوليا على مرحلة تبحث فيها الدولة المغربية عن توازن جديد بين إنفاذ القانون، وصون حرية التعبير، وتعزيز الثقة في المجال العام. والإجابة عن هذا السؤال رهين بالممارسة المتراكمة، وكيفية تدبير الملفات المقبلة، ومدى قدرة المؤسسات على توفير بيئة قانونية ومهنية يشعر فيها الصحفي، مهما كان ناقدا، بأن حقوقه الإجرائية مصونة، كما يشعر المواطن بأن القانون يطبق على الجميع.

إن تقدم الأمم لا يقاس بقلة الأزمات التي تواجهها، وإنما بالطريقة التي تدير بها تلك الأزمات. وإذا كان ملف علي المرابط قد أثار كل هذا الاهتمام، فذلك لأنه أعاد إلى الواجهة سؤالا قديما يتجدد مع كل مرحلة: كيف يمكن بناء علاقة صحية بين الدولة والصحافة في مجتمع يتطلع إلى مزيد من الحرية و الانفتاح الديمقراطي، ويستعد لاستحقاقات دولية ووطنية كبرى؟

فإذا كان الإفراج عن علي المرابط مجرد إجراء قانوني عادي، فإن الأيام المقبلة ستؤكد ذلك. أما إذا كان مقدمة لمرحلة تتسع فيها مساحات الحوار، وتتعزز فيها الضمانات المهنية والقانونية، فإن المستفيد الأول لن يكون صحفيا بعينه، بل المغرب نفسه، وهو يتقدم نحو استحقاقات كبرى تتطلب أن تكون قوة مؤسساته مقرونة بقدرتها على استيعاب النقد، وحماية القانون، وصيانة حرية التعبير في آن واحد.


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...