“الترحال السياسي” يعود للواجهة قُبيل استحقاقات 2026.. برلمانيون ينتمون لحزبين في الوقت نفسه ويزيدون المشهد الانتخابي إرباكًا

إيطاليا تلغراف متابعة

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المرتقبة، يعود “الترحال السياسي” إلى واجهة النقاش العمومي باعتباره إحدى أكثر الظواهر إثارة للجدل داخل المشهد الحزبي المغربي، في ظل تزايد انتقال عدد من المنتخبين والفاعلين السياسيين بين الأحزاب بحثا عن تزكيات جديدة أو فرص انتخابية أوفر.

هذه الظاهرة، التي برزت بقوة مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، تثير تساؤلات متجددة حول طبيعة الانتماء الحزبي، وحدود الالتزام بالبرامج والمرجعيات السياسية، ومدى انعكاسها على مصداقية العمل الحزبي وجودة التمثيلية الديمقراطية، فضلا عن تأثيرها على ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة والعملية السياسية برمتها.

فعدد من البرلمانيين والسياسيين يفضلون البحث عن أحزاب تمنحهم فرصا أوفر للحصول على التزكية أو الفوز بالمقاعد، وهو ما يجعل الاعتبارات الانتخابية تتقدم في كثير من الأحيان على الالتزام بالمرجعيات الفكرية والبرامج السياسية، الأمر الذي ينعكس سلبا على صورة العمل الحزبي ويغذي شعورا متزايدا لدى الرأي العام خاصة لدى فئة الشباب بأن الانتماء السياسي أصبح رهينا بالمصلحة أكثر من ارتباطه بقناعة أو مشروع مجتمعي.

وأخذ الأمر منحى غريبا في العديد من الحالات، على غرار حالة البرلمانية عن حزب التجمع الوطني للأحرار زينب السيمو، التي ترشحت وكيلة للائحة حزب الأصالة والمعاصرة بدائرة العرائش، لكن بشعار حزب الأصالة والمعاصرة، أو البرلماني عن دائرة طنجة – أصيلة، محمد الزموري، الذي يستعد للترشح باسم الحركة الشعبية رغم كونه المنسق الجهوي لحزب الاتحاد الدستوري بالشمال.

وفي هذا السياق، أكد رشيد لزرق، المحلل السياسي وأستاذ العلوم السياسية بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، في تصريح لـ”الصحيفة”، أن ظاهرة الترحال الحزبي قبيل الاستحقاقات الانتخابية يمكن قراءتها من زاويتين أساسيتين، موضحا أن الجانب الأول يرتبط بحسابات انتخابية وبراغماتية صرفة، حيث يسعى بعض الفاعلين إلى التموقع داخل الأحزاب التي يعتقدون أنها تمنحهم فرصا أكبر للحصول على التزكية أو الظفر بالمقاعد.

أما الزاوية الثانية فتكشف حسب لزرق، عن إشكال أعمق يتعلق بمدى رسوخ الانتماء السياسي المبني على البرامج والمرجعيات، وبقدرة الأحزاب على تأطير نخبها وإنتاجها من داخل هياكلها بدل اللجوء إلى استقطابها في اللحظات التي تسبق الانتخابات.

وشدد لزرق في التصريح ذاته على ضرورة التمييز بين حرية تغيير الانتماء السياسي وبين ما يعرف بالترحال السياسي، مبرزا أن الدستور المغربي وضع ضوابط واضحة لهذه المسألة خلال فترة الانتداب البرلماني. 

وأوضح المتحدث أن الفصل 61 من الدستور ينص على تجريد عضو أحد مجلسي البرلمان من صفته إذا تخلى عن الانتماء السياسي الذي ترشح باسمه أو عن الفريق أو المجموعة البرلمانية التي ينتمي إليها، وهو ما يعكس إرادة المشرع الدستوري في حماية الإرادة الانتخابية ومنع تحويل المقعد البرلماني إلى وسيلة لإعادة التموضع الحزبي أثناء الولاية التشريعية، أما الانتقالات التي تسبق الانتخابات، فإنها تبقى، بحسب المتحدث، إشكالا سياسيا وأخلاقيا يرتبط أساسا بطريقة اشتغال الأحزاب وآليات اختيار مرشحيها.

وأضاف أستاذ العلوم السياسية أن تكرار هذه الانتقالات المرتبطة بالحسابات الانتخابية ينعكس بشكل مباشر على ثقة المواطنين في الفاعلين السياسيين، إذ يصبح من الصعب على الناخب التمييز بين التصويت لمشروع سياسي متكامل وبين التصويت لأشخاص أو شبكات انتخابية محلية تتغير انتماءاتها بحسب الظرفية. 

ويرى لزرق أن هذا الواقع يضعف وضوح العرض السياسي ويؤثر في وظيفة الانتخابات باعتبارها آلية ديمقراطية تتيح للمواطن الاختيار بين برامج ورؤى سياسية واضحة، وليس مجرد مفاضلة بين أسماء تنتقل باستمرار من حزب إلى آخر.

واعتبر لزرق أن الترحال الحزبي، عندما يتحول إلى ممارسة موسمية واسعة قبيل كل استحقاق انتخابي، يؤثر في جودة التمثيلية الديمقراطية أكثر مما يمس سلامة العملية الانتخابية من الناحية القانونية، موضحا أن الانتخابات قد تستوفي جميع الشروط القانونية والتنظيمية، غير أن مصداقية التمثيل السياسي تظل رهينة بوجود علاقة واضحة ومستقرة بين الناخب والمرشح والحزب والبرنامج الذي يتقدم به أمام المواطنين.

وأكد المتحدث على أن معالجة هذه الظاهرة لا يمكن أن تقتصر على تشديد القيود القانونية، لأن جانبا مهما منها يرتبط بطبيعة البناء الحزبي نفسه، مشيرا إلى أن المدخل الحقيقي للحد من الترحال السياسي يكمن في تعزيز الديمقراطية الداخلية داخل الأحزاب، واعتماد معايير شفافة وثابتة في منح التزكيات.

ويشدد لزرق أيضا على ضرورة العمل على تكوين نخب سياسية من داخل التنظيمات الحزبية، مع ربط الترشيح بالكفاءة والنزاهة والمسار السياسي والالتزام بالبرنامج، بما يكرس منافسة انتخابية تقوم على المشاريع السياسية والاختيارات المجتمعية، بدل أن تتحول إلى إعادة توزيع للمرشحين بين الأحزاب مع اقتراب كل محطة انتخابية.

المصدر: الصحيفة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...