إسبانيا تحت ضغط ملفات الفساد.. سياسيون ورجال أعمال ومسؤولون أمام القضاء ومؤشرات على أزمة نزاهة داخل الدولة
منذ فبراير 2024، دخلت إسبانيا في واحدة من أكثر الفترات كثافة في فتح ملفات الفساد السياسي والاقتصادي منذ سقوط حكومة ماريانو راخوي سنة 2018، حيث العشرات من السياسيين ورجال الأعمال والمسؤولين ضمن خانات الاتهام بالفساد المالي بعضهم أُدين، وبعضهم أُحيل إلى المحاكمة، بينما لا يزال آخرون في مرحلة التحقيق ويتمتعون بقرينة البراءة.
أكبر الملفات هو “قضية كولدو”، التي بدأت بعقود شراء الكمامات خلال جائحة كورونا، ثم اتسعت إلى الاشتباه في دفع عمولات مقابل عقود أشغال عمومية.
في قلب الملف يوجد خوسيه لويس آبالوس، وزير النقل السابق والقيادي السابق في الحزب الاشتراكي، ومستشاره كولدو غارسيا، ورجل الأعمال فيكتور دي ألداما، وانضم إليهم لاحقا سانتوس سيردان، الأمين السابق للتنظيم في الحزب الاشتراكي، بعدما تحدث تقرير لوحدة العمليات المركزية في الحرس المدني عن مؤشرات على دوره في توجيه صفقات أشغال لفائدة شركات مقابل عمولات.
قسّمت المحكمة العليا التحقيق إلى مسارين، الأول يتعلق بعقود الكمامات، والتدخل لفائدة شركات مرتبطة بألداما، والتعيينات داخل مؤسسات عمومية، والثاني يتعلق بصفقات طرق وسكك حديدية يشتبه في أنها مُنحت بصورة غير مشروعة.
وأورد القضاء أن قيمة الأشغال التي استفادت منها “أكسيونا كونستروكسيون” عبر جهات تابعة لوزارة النقل تجاوزت 537 مليون أورو، مع استمرار التحقيق في هوية الشركات والأشخاص ومسار العمولات.
وفي يونيو 2026، أُدين آبالوس في الجزء الأول بأحكام بلغ مجموعها 24 سنة، بينما بقيت قطعة الأشغال العمومية والتحقيق مع سيردان ومسؤولين ورجال أعمال مفتوحة.
القضية الثانية تخص بيغونيا غوميز، زوجة رئيس الحكومة بيدرو سانشيز، حيث فُتح التحقيق معها في أبريل 2024 بشأن احتمال استغلال النفوذ المرتبط بأنشطتها في جامعة كومبلوتنسي وعلاقتها برجال أعمال حصلت شركاتهم على عقود أو دعم عمومي.
وفي 16 يوليو 2026، أيدت محكمة مدريد استمرار إحالتها إلى محاكمة أمام هيئة محلفين بتهمتي استغلال النفوذ واختلاس المال العام، وأسقطت عنها في هذه المرحلة تهمة الفساد في الأعمال، كما تشمل القضية مساعدتها في رئاسة الحكومة كريستينا ألفاريز، بينما يسير الجزء المتعلق برجل الأعمال خوان كارلوس بارابيس في مسار منفصل، مع العلم أن غوميز ورئاسة الحكومة تنفيان المخالفات وتعتبران الملف ذا دوافع سياسية، كما طالب الادعاء العام بحفظ أجزاء منه.
أما دافيد سانشيز، شقيق رئيس الحكومة الإسبانية، فقد تحولت قضيته من تحقيق فُتح سنة 2024 إلى إدانة في يوليو 2026.
وقضت محكمة باداخوس بمنعه من تولي الوظائف العامة تسع سنوات بعد إدانته بسوء استعمال السلطة في ملف منصب ثقافي داخل مجلس مقاطعة باداخوس، اعتبرت المحكمة أنه أُنشئ وصُمم بما يخدمه، مع تبرئته من استغلال النفوذ، كما أُدين ميغيل أنخيل غاياردو، الرئيس الاشتراكي السابق للمقاطعة، ومسؤولون آخرون بعقوبات منع متفاوتة.
وعلى الضفة المقابلة، انفجر في شهر يوليو 2025 “ملف مونتورو”، الذي يطال كريستوبال مونتورو، وزير المالية السابق في حكومات الحزب الشعبي، وقيادات سابقة في الوزارة وشركاء في مكتب “إكيبو إيكونوميكو” الذي أسسه.
ويحقق القضاء في الاشتباه بتكوين شبكة نفوذ ربطت مسؤولين بوزارة المالية وشركات للغاز والكهرباء والطاقة المتجددة، مقابل تعديلات ضريبية وتشريعية مفيدة للجهات الدافعة. وشمل التحقيق نحو 28 شخصا، بينهم مسؤولون سابقون في مديرية الضرائب، بينما أشارت التحقيقات إلى مدفوعات بملايين اليوروهات للمكتب.
وتحدثت المعطيات الأولية عن 11 مليون أورو على الأقل، ثم كشفت التحقيقات المالية عن تدفقات بلغت 35.5 مليون أورو تحتاج إلى تحديد مصادرها وأغراضها، ومع هذا بوزير المالية السابق كريستوبال مونتورو ينفي ارتكاب أي جريمة، والأهم أن الملف يطرح شبهة “التشريع حسب الطلب”، حيث لا يقتصر الفساد المحتمل على رشوة موظف، بل يمتد إلى احتمال تأثير شركات خاصة في صياغة القواعد الضريبية نفسها.
ويبرز أيضا ملف الاحتيال في ضريبة القيمة المضافة على المحروقات، الذي تتداخل فيه الجريمة الاقتصادية مع المال العام.
في هذا السياق، اقترحت المحكمة الوطنية في يونيو 2026 محاكمة 16 شخصا في شبكة يشتبه في تهربها من أداء 148 مليون يورو من الضرائب، بينما يواجه ألداما تحقيقا منفصلا بشأن شبكة أخرى يشتبه في تهربها من مبالغ أكبر وتحويل عائدات إلى الخارج، حيث تكشف هذه الملفات قدرة شركات واجهة ووسطاء على استغلال تراخيص القطاع وسلاسل التوريد لإخفاء المستفيد الحقيقي من الوقود وعدم دفع الضريبة.
داخل الأوساط الإسبانية من إعلاميين ومثقفين وسياسيين بدأ يطرح هذا التساؤل: هل يعني كل هذا الفساد أن الدولة الديمقراطية الإسبانية تتآكل؟ الجواب الذي يتم تداوله أن هناك مؤشرات قوية على أزمة نزاهة في البلاد، حيث تكرار الصفقات المشبوهة، وضعف ضبط تضارب المصالح، وغموض عمل جماعات الضغط، والأبواب الدوارة بين الوزارات والشركات، واستعمال التعيينات العمومية لخدمة شبكات حزبية أو شخصية.
وفي سياق مرتبط، نجد أن إسبانيا قد تراجعت في مؤشر مدركات الفساد لسنة 2025 إلى 55 نقطة من أصل 100، واحتلت المرتبة 49 بين 182 دولة، مقابل 56 نقطة والمرتبة 46 في السنة السابقة، كما خلصت مجموعة دول مجلس أوروبا لمكافحة الفساد إلى أن إسبانيا لم تحقق امتثالا كافيا لتوصياتها، خصوصا في تنظيم جماعات الضغط، ومراقبة كبار المسؤولين، وتعزيز استقلال هيئات تضارب المصالح.
لكن الحديث عن انهيار الديمقراطية سيكون مبالغة، تضيف بعض المصادر، فالمحاكم والحرس المدني والصحافة وهيئات الرقابة هي التي كشفت الملفات ودفعتها إلى القضاء، وبعض الشخصيات الموجودة في أعلى مراتب السلطة أُودعت السجن أو حوكمت بالفعل، غير أن ذلك لا ينفي من أن إسبانيا تعيش موجة فساد ومحاسبة متزامنتين، فساد يكشف ضعف الوقاية داخل الأحزاب والإدارة والصفقات العمومية، ومؤسسات ما تزال قادرة على التحقيق والعقاب.
المصدر: الصحيفة





