بعد حظر روسيا صادرات الغازوال إلى الأسواق الخارجية.. المغرب يواجه اختبار الإمدادات وكلفة البحث عن بدائل
فرضت روسيا حظرا مؤقتا على صادرات الغازوال إلى الأسواق الخارجية، يشمل إنتاج مصافيها، ويستمر مبدئيا إلى غاية 31 يوليو الجاري، في محاولة لتوجيه الكميات المتاحة نحو السوق الداخلية.
وجاء القرار بعدما أدت الضربات الأوكرانية المتكررة بطائرات مسيّرة إلى تعطيل أجزاء من منظومة التكرير الروسية، وظهور نقص في الوقود وارتفاع الأسعار وطوابير أمام محطات الخدمة في عدد من المناطق.
وتشير تقديرات قطاع الطاقة إلى أن الهجمات أخرجت نحو ربع قدرات التكرير الروسية من الخدمة أو دفعت مصافي كبرى إلى خفض إنتاجها، حيث انعكس ذلك مباشرة على الصادرات البحرية من الغازوال، التي تراجعت في يونيو إلى نحو 1.8 مليون طن، بانخفاض بلغ 39 في المئة مقارنة بمايو و46 في المئة على أساس سنوي.
وخلال الأيام الثمانية الأولى من يوليو، هبطت الشحنات إلى ما يعادل 214 ألف برميل يوميا، مقابل 793 ألف برميل يوميا في الفترة نفسها من 2025.
بالنسبة إلى المغرب، لا يتعلق الأمر بتطور بعيد جغرافيا، لأن روسيا أصبحت خلال السنوات الأخيرة موردا مهما للغازوال إلى السوق المغربية، غير أن تحديد الكمية الروسية بدقة يواجه مشكلة تتعلق بطبيعة البيانات المنشورة، إذ يقدم مكتب الصرف وإدارة الجمارك ومجلس المنافسة إجمالي واردات المحروقات، لكن التقارير الدورية المتاحة لا توزعها بشكل تفصيلي حسب بلد المنشأ والشركة المستوردة.
وتظهر المعطيات الرسمية لمجلس المنافسة أن المغرب استورد خلال 2025 نحو 6.93 ملايين طن من الغازوال والبنزين، مقابل 6.50 ملايين طن في 2024، أي بزيادة 6.7 في المئة.
ورغم ارتفاع الكميات، انخفضت قيمتها من 51.82 مليار درهم إلى 47.10 مليار درهم بسبب تراجع الأسعار الدولية، حيث يمثل الغازوال المنتج الأساسي داخل هذه الواردات، إذ شكل خلال الربع الأخير من 2025 نحو 88 في المئة من الكميات والقيمة، كما بلغ عدد الشركات المرخص لها بالاستيراد 35 شركة، بينما استحوذت تسع شركات فقط على 81.7 في المئة من الكميات المستوردة.
أما الواردات الروسية تحديدا، فتظل الأرقام المتاحة صادرة عن منصات تتبع السفن والشحنات. ووفق بيانات شركة “كبلر” التي نقلتها صحيفة “إلباييس”، استورد المغرب خلال 2025 نحو 645 ألف طن من الغازوال الروسي، ويعادل ذلك 9.3 في المئة على الأقل من إجمالي واردات الغازوال والبنزين الرسمية، مع الإشارة إلى أن الحصة داخل واردات الغازوال وحده تكون أعلى، لأن الرقم الإجمالي المغربي يضم البنزين أيضا.
وخلال النصف الأول من 2026، تشير بيانات “فورتيكسا” التي نشرتها مؤسسة “أوبيس” المتخصصة إلى أن واردات المغرب من الغازوال بلغت 4.34 ملايين طن، جاءت روسيا في مقدمة مورديها بنحو 1.35 مليون طن، مقابل 650 ألف طن من إسبانيا، وبذلك مثلت الشحنات الروسية قرابة 31.1 في المئة من واردات الغازوال خلال تلك الفترة، لكن هذه الأرقام تظل تقديرات بحرية وليست إحصاءات جمركية مغربية نهائية، كما تختلف عن تقديرات “كبلر”، التي أحصت 489 ألف طن روسي منذ بداية 2026، بسبب اختلاف طرق تصنيف الشحنات وتواريخ الإبحار والتفريغ والوجهة النهائية.
ويرجع توجه المستوردين المغاربة إلى روسيا أساسا إلى العامل السعري، فبعد العقوبات الأوروبية على المنتجات النفطية الروسية، اضطرت موسكو إلى تحويل صادراتها نحو إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وعرضت بعض الشحنات بخصومات مقارنة بالأسعار المرجعية.
ويستفيد المغرب من هذه الأسعار في ظل غياب قدرة وطنية عاملة لتكرير النفط الخام بالحجم الذي يلبي الطلب، ما يجعله معتمدا على استيراد المنتجات المكررة الجاهزة، لكن هذا الامتياز السعري تحول اليوم إلى مصدر مخاطرة، لأن الكميات الأرخص أصبحت غير متاحة مؤقتا.
ولا تسمح الوثائق الرسمية المتوفرة بتحديد الشركات المغربية التي اشترت الغازوال الروسي، ومجلس المنافسة يكشف وزن الشركات التسع الكبرى في الاستيراد، لكنه لا ينشر أسماءها ولا مصادر كل شحنة.
ويأتي القرار الروسي في ظرف ارتفعت فيه أصلا فاتورة الطاقة المغربية، فقد بلغت قيمة واردات الغازوال والفيول 29.64 مليار درهم إلى نهاية مايو 2026، مقابل 21.51 مليار درهم في الفترة نفسها من 2025، بزيادة 37.8 في المئة، بينما ارتفعت فاتورة الطاقة الإجمالية بـ20.7 في المئة.
ولذلك قد لا يكون الأثر الأول للحظر نقصا ماديا في المحطات، بقدر ما سيكون ارتفاعا في كلفة استبدال الشحنات الروسية بإمدادات من إسبانيا أو الولايات المتحدة أو الشرق الأوسط، وسط منافسة عالمية متزايدة على الغازوال.
ويملك المغرب قدرة تخزين إجمالية للغازوال والبنزين تبلغ نحو 1.57 مليون طن، كما يتعامل مع عدد متنوع من الموردين، ما يقلل احتمال حدوث خصاص فوري إذا انتهى الحظر في موعده، لكن تمديده أو تكراره سيضغط على كلفة النقل والفلاحة والصناعة، وقد ينتقل تدريجيا إلى أسعار البيع في المحطات، لأن مجلس المنافسة يؤكد أن تقلب الأسعار الدولية يؤثر مباشرة في شروط التزويد وتكوين الأسعار داخل السوق الوطنية.
وبذلك يكشف القرار الروسي مجددا هشاشة الاعتماد الكامل على الخارج، والحاجة إلى رفع المخزون الفعلي، وتنويع مصادر الاستيراد، وتعزيز شفافية بيانات المنشأ والشركات، وإعادة فتح النقاش حول قدرة المغرب على استعادة جزء من نشاط التكرير المحلي.
المصدر: الصحيفة





