إسبانيا ترفع كأس العالم بأعلام أقاليمها.. انتصار رياضي يخفي مؤقتا صراعا متجددا حول الهوية والانتماء ووحدة الدولة

إيطاليا تلغراف متابعة

في حدود التاسعة من صباح الاثنين، كان مطار ملقا–كوستا ديل سول هادئا وهو يستقبل مزيدا من القادمين إلى إسبانيا بعد ليلة طويلة انتهت بتتويج منتخب “الإسباني”لاروخا” بطلا للعالم لكرة القدم للمرة الثانية في تاريخه.

قبل ساعات فقط، كانت إسبانيا قد هزمت الأرجنتين بهدف دون رد بعد التمديد، سجله فيران توريس في الدقيقة 106، في نهائي احتضنه ملعب نيويورك–نيوجيرسي، بحضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ورئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو، والملك فيليبي السادس والملكة ليتيثيا.

في قاعة مراقبة الجوازات، بدا أن الليل لم يغادر وجه شرطي الحدود بعد. تحت جفنيه أثر نوم لم يكتمل، وفي حركته بطء موظف قضى ساعات يكرر الطقس نفسه، يأخذ الجواز، يقلب صفحاته، ينظر إلى الشاشة، ثم يعيده إلى صاحبه.

وضعت جوازي المغربي أمامه وحاولت انتشاله، ولو للحظة، من آلية العمل الثقيلة: “مبروك لإسبانيا.. أنتم أبطال العالم اليوم”. رفع عينيه، واستدعى ابتسامة صغيرة بدت كأنها وصلت متأخرة من ليلة الاحتفال، ثم ختم الجواز وأعاده إلي.

كان الختم بالحبر مشهدا قديما في مطار دخل، مثل بقية الحدود الخارجية لمنطقة شنغن، عصر التسجيل الرقمي، فقد بدأ الاتحاد الأوروبي تشغيل نظام الدخول والخروج البيومتري تدريجيا في 12 أكتوبر 2025، قبل أن يصبح كاملا في 10 أبريل 2026، ليحل تسجيل الوجه والبصمات وبيانات العبور محل أختام الجوازات التقليدية بالنسبة إلى أغلب المسافرين من خارج الاتحاد. لكن جوازي، لسبب إجرائي لم يشرحه أحد، لم يمر في تلك اللحظة عبر المسار البيومتري، فعاد الشرطي إلى الختم، دائرة حبر صغيرة تختصر عبور قارة.

خارج المطار، لم تكن ملقا ترتدي هيئة مدينة استيقظت لتوها بطلة للعالم، لا أبواق متواصلة، ولا سيارات تجر الأعلام من نوافذها، ولا شرفات غارقة في الأحمر والأصفر.

كان سائقو سيارات الأجرة ينتظرون في طوابيرهم المعتادة، والمقاهي ترفع ستائرها المعدنية، والشمس الأندلسية تصعد بهدوء فوق الأرصفة، فقط بعض الفتيان ظلوا يرتدون قميص لامين يامال، كأنهم يحملون بقايا الليل على أكتافهم. فرح موجود، لكنه لا يفيض من المكان، فرح إسباني يعرف كيف يحتفل ثم يعود، في الصباح التالي، إلى موعد العمل.

غير أن صورة واحدة من منصة التتويج كانت أكثر صخبا من شوارع ملقا الهادئة. خلال تسليم كأس العالم للاعبي المنتخب الإسباني، ظهر ترامب وإنفانتينو وسط اللاعبين، ثم انتشرت صور المنتخب وهو يحتفل بأعلام الأقاليم والمدن: باو كوبارسي رفع “السنييرا” الكاتالونية، وداني أولمو لف حول خصره علم “تيراسا”، مسقط رأسه، بينما ظهر غافي وفابيان رويز بعلم “الأندلس”، وبيدري بعلم “جزر الكناري”، وفيران توريس بعلم “فالنسيا”، وأليكس باينا بعلم بلدية “روكيتاس دي مار”.

وفي البرامج الرياضية الإسبانية انطلق السؤال سريعا: لماذا حمل اللاعبون أعلام جهاتهم ولم يحمل أحد منهم العلم الإسباني، الذي ظهر أساسا في يد فرد من الطاقم؟ كان السؤال، في ظاهره، عن قطعة قماش، لكنه في جوهره يطرق بابا قديما في تاريخ المملكة.

ليس حمل العلم الجهوي فعلا انفصاليا بالضرورة، اللاعب يرتدي قميص إسبانيا، يسمع نشيدها، ويفوز باسمها، ثم يبحث بعد الصافرة عن قريته أو مدينته أو إقليمه ليضعه في الصورة، إنها طريقة للقول إن الطريق إلى المنتخب لم يبدأ من مدريد، بل من ملعب صغير في ماتارو أو تيراسا أو لوس بالاثيوس أو روكيتاس.

ومع ذلك، فإن كثافة الأعلام المحلية وغياب الراية الوطنية من أيدي اللاعبين منحت المشهد دلالة سياسية، لأن إسبانيا ليست دولة بسيطة الهوية، بل عقد دستوري بين ذاكرة مركزية قوية وهويات تاريخية لم تقبل يوما أن تذوب تماما فيها.

في برشلونة، أكد مراسل “الصحيفة” أيوب جبلي أن الاحتفال طوال البطولة ظل محصورا في فضاءات محددة، وإن خرج عشرات الآلاف ليلة النهائي إلى شاشة عملاقة أقامتها البلدية في منطقة “الفوروم”، حيث قدرت السلطات المحلية الحضور بنحو 30 ألف شخص.

كانت الأعلام الإسبانية حاضرة، والهتافات عالية، لكن المشهد لم يمح حقيقة أن برشلونة عاصمة إقليم عاش خلال العقد الماضي أخطر مواجهة دستورية مع مدريد، وكاتالونيا ليست هامشا اقتصاديا يمكن تجاهله، فقد بلغ ناتجها الداخلي الخام 334.8 مليار أورو سنة 2025، وهي ثاني أكبر اقتصاد جهوي في البلاد، وتمثل قرابة 19 في المائة من الاقتصاد الإسباني.

وجذور الحساسية الكاتالونية أقدم من استفتاء 2017، فقد احتفظ الإقليم عبر قرون بمؤسساته وقوانينه ولغته، قبل أن تُلغى مؤسساته التاريخية تدريجيا بعد سقوط برشلونة سنة 1714، ثم أعادت حركة “الريناشينسا” في القرن التاسع عشر إحياء اللغة والثقافة الكاتالونيتين.

حصل الإقليم على حكم ذاتي خلال الجمهورية الثانية، وقمع نظام فرانكو لغته ومؤسساته، قبل أن يستعيد الحكم الذاتي مع ديمقراطية 1978، ثم جاء حكم المحكمة الدستورية سنة 2010 الذي قلص أجزاء من نظام الحكم الذاتي المصادق عليه سنة 2006، فغذى موجة استقلالية انتهت باستفتاء الأول من أكتوبر 2017.

حينها، تدخلت الشرطة الوطنية والحرس المدني لتنفيذ قرارات القضاء ومنع التصويت في مراكز عديدة، في مشاهد عنيفة عمقت الشرخ. وبعد إعلان الاستقلال من جانب واحد، أقالت مدريد الحكومة الكاتالونية وفعّلت المادة 155 من الدستور، بينما غادر رئيس الإقليم آنذاك كارلس بوتشيمون إلى بلجيكا.

وحتى شهر يوليو الجاري ظل ملفه مفتوحا قضائيا، فقد أيدت محكمة العدل الأوروبية جوهر قانون العفو، لكن عودته بقيت مرتبطة بتطبيق القضاء الإسباني للعفو على تهم “الاختلاس” وبقرارات المحكمة الدستورية.

إلى شمال البلاد، وفي منطقة الباسك، يصبح العلم المحلي أكثر من زينة احتفالية. “الإيكورينيا” تختصر لغة هي من أقدم لغات أوروبا، وذاكرة أقاليم حافظت طويلا على قوانينها وامتيازاتها المعروفة بـ”الفويروس”. وبعد إلغائها سنة 1876، ظهرت القومية الباسكية الحديثة، وأسّس سابينو أرانا الحزب القومي الباسكي سنة 1895.

ثم جاءت دكتاتورية فرانكو، وولدت منظمة “إيتا” سنة 1959، قبل أن تنتهي لاحقا تجربتها المسلحة، فيما ترسخ الحكم الذاتي الواسع بموجب نظام غيرنيكا لسنة 1979، لذلك، لدى قطاع واسع من الباسكيين لديهم شعور بالانتماء إلى “الهوية الباسكية”، يسبق العاطفة الوطنية الإسبانية أو يزاحمها بقوة.

أما الأندلس، التي وصلنا إليها عبر بوابة ملقا، فتبدو قوميتها أكثر هدوءا وأقل ميلا إلى الانفصال، لكنها لا تخرج من قاعدة الاعتزاز بالهوية المحلية.

حمل غافي وفابيان رويز العلم الأخضر والأبيض بعد التتويج، من دون أن يعني ذلك رفضهما لإسبانيا، فالأندلس نفسها تحمل اسما مشتقا من “الأندلس”، المجال الذي خضع للحكم الإسلامي بدرجات متفاوتة بين 711 وسقوط غرناطة سنة 1492.

وعلى امتداد ما يقارب ثمانية قرون ترك المغاربة ومعهم العرب القادمين من الشرق أثرا عميقا في العمارة واللغة والزراعة والموسيقى والذاكرة، من جامع قرطبة إلى قصر الحمراء، قبل أن تتشكل الأندلس الحديثة داخل الدولة الإسبانية وتنتزع حكما ذاتيا موسعا باستفتاء 1980.

في هذا المشهد المركب، لم يكن حضور الملك فيليبي السادس لنهائي كأس العالم مجرد متابعة رياضية. فالمادة 56 من الدستور تنص على أن الملك “رمز وحدة الدولة واستمرارها”، ولذلك تبدو صورته في المناسبات الكبرى محاولة لتقديم سردية جامعة مفادها: فريق واحد، تاج واحد، ودولة واحدة تضم أعلاما كثيرة.

والملكية الإسبانية، في صيغتها الدستورية الراهنة، ارتبطت بمرحلة الانتقال الديمقراطي وبموقف الملك خوان كارلوس الأول ضد محاولة انقلاب 23 فبراير 1981، وإن ظلت المؤسسة نفسها موضع نقاش سياسي وانتقاد، وليست محل إجماع مطلق.

عند الظهيرة، كانت ملقا قد عادت تماما إلى إيقاعها السياحي. البحر في مكانه، والحافلات تمضي نحو الساحل، والناس يعبرون الشوارع كما لو أن الكأس لم يصل بعد إلى مدريد.

تبدو إسبانيا هادئة بعد لقبها الثاني، لا لأن الفوز لم يهزها، بل لأن فرحتها موزعة بين رايات كثيرة، فالعلم الأحمر والأصفر يعلو فوق المنتخب، لكن تحته تنبض كاتالونيا والباسك والأندلس وفالنسيا والكناري ومدن صغيرة لا تريد أن تكون مجرد هامش في الصورة.

لقد فازت إسبانيا بكأس العالم، غير أن منصة التتويج لم تُظهر بلدا تجاوز انقساماته بقدر ما كشفت عن شقوق هووية تتسع تحت سطح الفرح الجماعي، وغياب العلم الإسباني من أيدي معظم اللاعبين، مقابل الحضور الكثيف لأعلام الأقاليم، لم يكن مجرد تعبير بريء عن الاعتزاز بالمنشأ، بل بدا انعكاسا لانتماءات محلية تزداد قوة على حساب الهوية الوطنية الجامعة.

وتجد هذه النزعات غذاءها في صعود القوميات الجهوية، وتنامي الأحزاب الشعبوية، وعودة اليمين المتطرف الذي يعيد تعريف الانتماء على أساس أكثر انغلاقا وإقصاء.

وهكذا تبدو إسبانيا، مثل دول أوروبية أخرى، واقعة بين نزعتين متعارضتين، قوميات محلية تسعى إلى الانفصال أو توسيع المسافة مع الدولة المركزية، وقومية يمينية متشددة تريد فرض هوية إسبانية صلبة، بل ومتخيلة أحيانا باعتبارها هوية أوروبية “أصلية” ونقية، وبين الطرفين، تتراجع مساحة الهوية المشتركة، ويتحول العلم من رمز جامع إلى موضوع للصراع، فيما يصبح كل انتصار رياضي فرصة مؤقتة لإخفاء انقسامات سرعان ما تعود إلى الظهور بمجرد أن تخفت أصوات الاحتفال.

المصدر: الصحيفة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...