قراءة صحفية في تدوينة الدكتور مصطفى أبو سعد حول أخلاق المغاربة ومأساة بولونيا

 

 

 

 

 عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا ومتابع للشأن السياسي
مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة، والبحث في الفكر والإسلام.

 

بصفتي صحفياً متابعاً عن كثب للتفاصيل والتطورات المتعلقة بما وقع في مدينة بولونيا وما رافقها من تداعيات إنسانية واجتماعية أثارت انتباهي بشكل كبير التدوينة القيمة التي نشرها اخي وصديقي الدكتور مصطفى أبو سعد والتي حملت بين سطورها معاني إنسانية عميقة ورسائل بالغة الأهمية في هذا التوقيت الحساس. لقد استوقفني ذلك الحوار الإنساني الراقي الذي نقله الدكتور مصطفى أبو سعد مع جيرانه الإيطاليين المقيمين في المغرب والذي عكس الخوف العابر والحيطة التي تملكت بعضهم من إمكانية تغير ردود أفعال المغاربة تجاههم أو صدور أي معاملة سيئة بعد هذه المأساة المؤلمة التي أوجعت قلوب الجميع.

إن الإجابة الحكيمة والواعية التي قدمها الدكتور مصطفى أبو سعد تجسد بعمق جوهر المبادئ والقيم الأصيلة التي تأسست عليها الشخصية المغربية عبر التاريخ والممتدة في جيناتها الثقافية والدينية. ينطلق الموقف المغربي دائماً من قاعدة إنسانية صلبة وشريعة سمحة تميز بوضوح تام بين الخطأ الفردي ومسؤولية الشعوب وتؤكد الرفض القاطع لتحميل الأبرياء وزر أفعال وممارسات لم يرتكبوها ولا يد لهم فيها. إن هذه القراءة النبيلة تعكس نضجاً فكرياً وحضارياً كبيراً يبين أن الحزن الصادق على فقدان الأرواح والمطالبة الجادة بالعدالة لا يمكن أن يتحولا تحت أي ظرف من الظروف إلى خطابات كراهية أو سلوكيات انتقامية تمس الجار أو تسيء إلى علاقات التعايش السلمي والتاريخي التي تجمع بين الشعوب.

يثبت المغاربة في مختلف المواقف والأزمات أن نبل الأخلاق والمروءة وحسن الضيافة ليست مجرد شعارات مناسباتية تُقال بل هي سلوك يومي وثقافة ممتدة تتجسد في التعامل مع كافة المقيمين والأجانب على أرض المملكة بمختلف جنسياتهم وأصولهم. إن المطالبة بالعدالة والإنصاف ورد الاعتبار هي مطالب مشروعة ونبيلة نتمسك بها جميعاً ونتابعها بكل حزم وعقلانية عبر المؤسسات والقوانين وأطر دولة الحق والقانون ولكن دون أن نُسقط قيم التسامح والفضيلة أو نهدم جسور التواصل الإنساني والمحبة التي بُنيت على مدى عقود طويلة من العيش المشترك والاحترام المتبادل.

تأتي تدوينة الدكتور مصطفى أبو سعد لتذكرنا جميعاً بأن الحفاظ على القيم الإنسانية والبوصلة الأخلاقية في أوقات الأزمات والمحن هو الاختبار الحقيقي والأبرز للأمم الراقية والشعوب الحية. إن المغرب سيبقى دائماً كما كان عبر التاريخ أرضاً للأمان والسلام والترحيب بالجميع وأن قيم الجيرة الطيبة والكرامة الإنسانية هي الثابت الراسخ الذي لا تهزه الأحداث المؤلمة أو التجاوزات الفردية. ستظل أواصر الصداقة بين الشعوب والمجتمعات أقوى من كل أشكال التعصب والانغلاق وإن السعي النبيل لنيل الحقوق وإحياء العدالة يجب أن يوازيه دائماً حماية السلم الاجتماعي ونشر روح التسامح بين الجميع.


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...