من أجل “المخلّص”.. هل اليوم هو الأخطر على وجود الأقصى؟

 

 

 

 

 

عبد الله معروف
كاتب فلسطيني، مدير مركز دراسات القدس بجامعة إسطنبول 29 مايو.

 

 

تخرج علينا جماعات المعبد كل فترة بإعلان طموح وكبير لاقتحام نوعي للمسجد الأقصى مستغلة أي مناسبة، لا سيما إذا كانت دينية. وإعلانها الأخير لا يخرج عن هذا السياق، حيث ضجت وسائل الإعلام بدعوة هذه الجماعات أنصارها لاقتحام واسع للمسجد الأقصى بخمسة آلاف مستوطن اليوم الخميس 23 يوليو/تموز، بحيث يشكل هذا أكبر اقتحام في تاريخ المسجد، وذلك لإحياء ما يسمى “ذكرى خراب المعبد” أو “التاسع من آب العبري”.

هذه المناسبة لا تتركها جماعات المعبد المتطرفة كل سنة دون أن تشكل حجر زاوية ومحطة مركزية في مسار التصعيد ضد المسجد، فهو اليوم الذي تصاب فيه جماعات المعبد بلوثة تحاول معها بشتى الطرق إثبات وجودها وقوتها على الأرض، والمطالبة بتغييرات واسعة في الوضع القائم في المسجد والمدينة بنوع من العاطفية الشديدة، وذلك استغلالا لهذه المناسبة الحزينة التي ترمز إلى ما يعتبرونه ذكرى تدمير المعبدين الأول والثاني في التاريخ نفسه بفارق مئات السنين.

هذا العام يختلف عما سبقه في كون هذه المناسبة تأتي في ظل بدء السباق الانتخابي الإسرائيلي الأول منذ حرب الإبادة في غزة. وبالتالي فإن ضخامة الاقتحامات في المسجد الأقصى المبارك إضافة إلى نوعيتها كانت متوقعة حتى قبل أن تنشر مؤسسات جماعات المعبد المتطرفة إعلاناتها.

قبل يومين فقط من حلول ما يسمى “ذكرى خراب المعبد”، ارتكب بعض المستوطنين عملا غير مسبوق في المسجد الأقصى، حيث أقدموا على رسم شعار “المخلص في بيت الرب” الديني الذي يستعمله بعض أفراد هذه الجماعات المتطرفة، وهو شعار التاج الذي يتشكل من حرفين من كلمة (المسيح)، على مستطيل يشير للمعبد.

يعتبر رسم شعار ديني من هذا النوع داخل المسجد الأقصى المبارك سابقة تستحق التوقف، وذلك لأنها تحمل دلالات كثيرة ترتبط بفكرة “المعبد الثالث” التي يروج لها اليمين الصهيوني الديني الإسرائيلي، إضافة إلى اليمين الإنجيلي المسيحي الأمريكي. فالمعبد الثالث هو الهدف الأسمى لهذه الجماعات كما هو معروف، وهو ليس أمرا مخفيا، بل تعلنه جماعات المعبد المتطرفة ليل نهار.

لكن ما يطفو على السطح في هذه المسألة هو اسم “المخلص” الذي يرمزون له بالتاج. وهو التاج نفسه الذي نراه مرسوما فوق المعبد دائما، وذلك لأن فكرة المعبد الثالث لدى هذه الجماعات تهدف أصلا إلى أن “يسكن الرب مع شعبه”، وهذه هي العبارة الدينية التي تشير إلى أحداث النهاية وقدوم المسيح المخلص ليكون ملكا على شعب إسرائيل ويجعله سيدا على الشعوب كلها. فالمعبد الثالث في رؤية هذه الجماعات يرتبط أصلا بالمسيح المخلص، وهو قطب الرحى في علاقة الشعب بهذه الأرض من الناحية الدينية.

وبالرغم من أن فكرة المعبد تتراوح بين الرؤية التاريخية لدى التيارات اليسارية والعلمانية من ناحية، والرؤية الدينية لدى التيارات اليمينية والدينية وتيار الصهيونية الدينية من ناحية أخرى، فإن سيطرة اليمين على الحكم في إسرائيل تجعل الجانب الديني لهذه الفكرة هو الأكثر حضورا وتأثيرا في التطبيق، وهو بالتالي ما ينسحب على فكرة المسيح المخلص التي ترتبط تماما بالبعد الديني لعلاقة اليهود بهذه الأرض حسب وجهة نظرهم. ومن الواضح هنا أن العقيدة الخلاصية لم تعد تصورا دينيا مجردا، وإنما تحولت إلى برنامج سياسي انتخابي.

التخريب المتعمد بالرسم على حجارة المسجد الأقصى مسألة جديدة لم يشهدها المسجد منذ احتلاله، وهذا العمل ليس معزولا ولا مقصورا على جماعة دينية متطرفة بحد ذاتها، فإحياء ما يسمى “ذكرى خراب المعبد” في ظل الانتخابات لا يقتصر فعليا هذا العام على تيار الصهيونية الدينية.

فنفتالي بينيت رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ورئيس حزب “البيت اليهودي” اليميني سابقا وحزب “بينيت 2026” حاليا، كان حريصا على الظهور في صورة خاصة به أثناء إحياء ذكرى خراب المعبد. وأما بن غفير فإنه شارك المستوطنين في أداء صلاة حاشدة بعد صلاة العشاء أمام باب القطانين، أحد أبواب المسجد الأقصى المبارك من الناحية الغربية. وكذلك اختار نتنياهو استذكار هذه المناسبة في خطاب له بالتبشير “بخلود” إسرائيل.

وأما ما يسمى “معهد المعبد”، وهو من أكبر وأقوى منظمات جماعات المعبد المتطرفة حاليا، فقد حاول عشية “ذكرى خراب المعبد” تحقيق اختراق نوعي جديد، حيث حاول أفراده أداء صلاة خاصة ليلا أمام باب الغوانمة في الزاوية الشمالية الغربية من المسجد الأقصى، وهذا تقدم خطير وكبير في محاولة السيطرة على الباب الذي فشلت هذه الجماعات في الحصول عليه عام 1998.

يظهر من كل هذه المشاهد أن إسرائيل، وخاصة اليمين القومي الديني، تشعر بأزمة شديدة بسبب عدم تمكنها حتى اليوم من فرض أجندتها بالكامل على المسجد الأقصى، فالأحزاب والحركات اليمينية القومية الدينية باتت تحاول فرض وجودها ليلا في المسجد، وذلك لتثبيت واقع المشاركة الكاملة في الزمن في المسجد بين المسلمين واليهود، وتنفيذ فكرة التقسيم الزمني الكاملة حسب وعد نائب رئيس الوزراء “ياريف ليفين” الذي قدمه لهذه الجماعات خلال احتفالات “عيد الحانوكاه” نهاية العام الماضي. وفشلها يشير إلى عدم قدرة إسرائيل حتى الآن على تطبيق سيادتها على المسجد الأقصى.

ولعل هذا هو سبب تسمية المسيرة الليلية التي جابت الشوارع المحيطة بالمسجد الأقصى في عشية “ذكرى خراب المعبد” باسم “مسيرة السيادة”. فالسيادة هي ما ينقص إسرائيل في المسجد الأقصى مهما حاولت أن تظهر غير ذلك.

أما تسجيل جماعات المعبد المتطرفة هدفا يتمثل في جمع 5 آلاف مستوطن في يوم واحد في الأقصى خلال هذه المناسبة “ذكرى خراب المعبد”، فإنه يشير إلى أفق يريده الاحتلال في المسجد: صورة إغراق المسجد الأقصى بآلاف المستوطنين للوصول إلى لحظة التغلب العددي على الوجود الإسلامي في المسجد، أي السيادة من خلال العدد.

وأرى أن فكرة حشد أعداد كبيرة من المستوطنين في المسجد، ورفع الهدف العددي كل عام، تريد هذه الجماعات من خلاله إحياء الأمل في قلوب أبنائها، خاصة وهي تجد أن الاتجاه العام لتحركاتها في المسجد الأقصى خلال السنوات العشرين الماضية في تصاعد، وهذه حقيقة للأسف، ولا يجوز لنا أن نخدع أنفسنا في هذا المجال.

كما لا يجوز لنا أن نعتبر أن فشل الاحتلال في الوصول إلى هدفه العددي -دون أي تدخل من الجانب الفلسطيني أو العربي أو الإسلامي لردعه- يعد انتصارا للعرب والمسلمين من أي نوع! فالانتصار يكون في هذه المعركة بفرض التراجع على الاحتلال ومستوطنيه وردعه عندما يتعلق بالمسجد الأقصى المبارك، وليس في فشل الاحتلال ذاتيا بسبب خلافاته الداخلية المتعلقة بالأقصى؛ نتيجة لإصرار الحاخامية الرسمية على الفتوى التقليدية بمنع اليهود من دخول الأقصى على سبيل المثال.

لم يكن التاج المرسوم فوق رمز المعبد مجرد خربشة عابرة على حجارة المسجد؛ بل كان اختصارا بصريا لمشروع كامل يحاول الانتقال من العقيدة الدينية إلى السياسة، ومن انتظار “المخلص” إلى فرض السيادة على الأرض.

وما لم يردع هذا المشروع في مراحله الحالية، فقد لا يبقى حديث “المعبد الثالث” مجرد شعار تحمله هذه الجماعات المتطرفة، بل سيكون برنامجا حقيقيا تتنافس الأحزاب الإسرائيلية على تنفيذه.

في نفس الوقت، فإن الوضع الكارثي الذي يمر به المسجد لا يمكن أن تخطئه عين مراقب، والاحتلال -في نفس الوقت- لا يزال عاجزا حتى اللحظة عن فرض سيادته بالكامل على الأقصى، لكن لنكن واضحين: هذا العجز قد لا يستمر طويلا ما لم يكن هناك تحرك حقيقي.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...