أكثر من 3 ملايين مسافر خلال 3 أشهر.. كيف تمر عملية “مرحبا” في المغرب وإسبانيا لإنجاح أكبر عبور بين ضفتي مضيق جبل طارق
يمر عبر مضيق جبل طارق، كل سنة 6 ملايين شخصا، منهم أكثر من 3 ملايين خلال الصيف في إطار الزيارات العائلية لمفاربة المهجر، ما يعني أن المغرب يسير كل موسم صيفي واحدة من أكبر عمليات العبور الموسمية عبر البحر الأبيض المتوسط، من خلال عملية “مرحبا” التي تستقبل مئات الآلاف من المغاربة المقيمين بالخارج العائدين لقضاء العطلة الصيفية.
وخلال ستة وعشرين عاما، تحولت هذه العملية من مجرد ترتيبات لتنظيم السفر إلى منظومة متكاملة تعتمد على التنسيق بين المؤسسات، وتعبئة الموارد البشرية، وتطوير البنيات التحتية، بما يسمح باستيعاب التدفقات الكبيرة للمسافرين وضمان عبورهم في ظروف أفضل.
وتستمر عملية “مرحبا” هذه السنة من 10 يونيو إلى 15 شتنبر، مستندة إلى شبكة واسعة من فضاءات الاستقبال داخل المغرب وخارجه، وإلى تنسيق متواصل بين مختلف المتدخلين، مع التركيز على تحسين الخدمات المقدمة للمسافرين، سواء على مستوى النقل أو المواكبة الاجتماعية والطبية.
شبكة استقبال تمتد من الضفتين
تعتمد العملية على جهاز استقبال يضم 20 موقعا داخل المغرب و6 مواقع بالخارج، موزعة بين فرنسا وإسبانيا وإيطاليا. وتشمل هذه المواقع موانئ سيت ومرسيليا بفرنسا، وجنوة بإيطاليا، والجزيرة الخضراء وألميريا وموتريل بإسبانيا، وهي الموانئ التي تعرف أكبر حركة لعبور أفراد الجالية المغربية نحو المملكة.
وتعمل هذه المراكز بشكل متواصل على مدار 24 ساعة طوال أيام الأسبوع، مع تخصيص الرقم الأخضر 0800002323 لتلقي استفسارات المسافرين وتوجيههم، بما يضمن مواكبة مستمرة خلال مختلف مراحل السفر.
وتدعم هذه المنظومة 26 فضاء للاستقبال تابع لمؤسسة محمد الخامس للتضامن داخل المغرب وخارجه، إلى جانب مكتب مركزي للتنسيق، ما يسمح بتتبع سير العملية والتدخل السريع عند الحاجة.
موارد بشرية كبيرة لمواكبة المسافرين
يعتمد نجاح عملية “مرحبا” على تعبئة موارد بشرية مهمة، إذ يشارك فيها 216 طبيبا وإطارا شبه طبي ومتعاونا، إضافة إلى 1134 مساعدة ومساعدا اجتماعيا، يتوزعون على مختلف فضاءات الاستقبال والمعابر الحدودية.
وتتكلف هذه الفرق باستقبال المسافرين والإجابة عن استفساراتهم، فضلا عن تقديم المساعدة الاجتماعية والتدخلات الطبية الأولية، خصوصا لفائدة كبار السن والأطفال والأشخاص في وضعية هشاشة.
ولا يقتصر دور هذه الفرق على تقديم الخدمات عند وقوع مشاكل، بل يمتد إلى مرافقة المسافرين وتوجيههم وتسهيل مختلف الإجراءات، بما يخفف الضغط خلال فترات الذروة التي تعرفها عملية العبور.
أكثر من 1,86 مليون وافد إلى غاية 20 يوليوز
تكشف المعطيات الخاصة بعملية “مرحبا” إلى غاية 20 يوليوز 2026 عن وصول 1.862.609 من أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج، بزيادة بلغت 1.04 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية.
واستقبل ميناء طنجة المتوسط وحده 923.968 مسافرا، أي ما يمثل 49.61 في المائة من مجموع الوافدين، بينما توزع 938.641 مسافرا، أي 50.39 في المائة، على باقي المعابر الوطنية.
وتبرز هذه الأرقام استمرار ميناء طنجة المتوسط باعتباره أهم نقطة لعبور أفراد الجالية، مع حفاظ باقي الموانئ والمعابر على دورها في توزيع حركة المسافرين وتخفيف الضغط خلال موسم الصيف.
آلاف التدخلات الاجتماعية والطبية
إلى جانب تنظيم حركة العبور، قدمت فرق عملية “مرحبا” 21.413 خدمة للمساعدة الاجتماعية، شملت التوجيه والمواكبة والتدخل لفائدة المسافرين في مختلف المعابر.
كما جرى تسجيل 2.417 تدخلا للعلاجات والإسعافات الاستعجالية، وهو ما يعكس حجم الخدمات الطبية التي تؤمنها الفرق الميدانية خلال فترة العبور.
وفي الجانب الإداري واللوجستي، تم تقديم 3.609 خدمات مرتبطة بالمساعدة القانونية والنقل، فضلا عن 14.417 خدمة أخرى للمواكبة والدعم، ما يعكس تنوع الخدمات المقدمة للمسافرين وعدم اقتصارها على الجانب الصحي.
طنجة المتوسط في مواجهة فترات الذروة
يعتمد ميناء طنجة المتوسط على تجهيزات كبيرة لاستيعاب التدفقات الصيفية، إذ يتوفر على 9 أرصفة لرسو السفن، منها 8 بميناء المسافرين ورصيف واحد بمحطة طنجة المتوسط.
كما يضم الميناء 20 شباكا للتسجيل و10 أكشاك لخدمة المسافرين، إضافة إلى 3000 مكان لوقوف السيارات و4 أجهزة سكانير متنقلة لتسريع عمليات المراقبة وتسهيل العبور.
ولا تقتصر الاستعدادات على البنيات التحتية، بل تشمل أيضا توفير مخزون احتياطي من المواد الغذائية ومياه الشرب، و5 نقاط ثابتة للتوزيع مدعومة بفرق متنقلة، إلى جانب حاوية تبريد لحفظ المواد الحساسة، مع تخصيص خدمات لمواكبة الأسر والأشخاص في وضعية هشاشة خلال فترات الانتظار الطويلة.
تنسيق بين مختلف المتدخلين
تقوم العملية على تنسيق دائم بين مؤسسة محمد الخامس للتضامن، وإدارة ميناء طنجة المتوسط، والمديرية العامة للأمن الوطني، وإدارة الجمارك، ومديرية الملاحة التجارية، والسلطات المحلية، وشركات النقل البحري، إلى جانب الفرق الميدانية.
ويتوزع هذا التنسيق بين تنظيم حركة المرور داخل الميناء، وتدبير عمليات الصعود إلى السفن، وتوفير المعلومات للمسافرين، والتدخل الاجتماعي والطبي عند الحاجة، بما يسمح بتقليص فترات الانتظار والحد من الازدحام.
كما يعتمد تدبير العملية على مركز للتنسيق يعمل بشكل متواصل طيلة أيام الأسبوع، بهدف مواكبة تطور حركة العبور والتعامل السريع مع أي مستجدات قد تطرأ خلال الموسم.
الاستباقية أساس نجاح العملية
تعتمد عملية “مرحبا” على التخطيط المسبق أكثر من اعتمادها على التدخل بعد وقوع المشاكل، إذ يتم إعداد توقعات دقيقة لحجم التدفقات، واعتماد نظام التذاكر ذات التاريخ المحدد، إلى جانب توفير معلومات آنية حول حركة العبور.
كما يجري تفعيل خطط خاصة للتعامل مع فترات الذروة، بما يسمح بتوزيع حركة المسافرين على مختلف الموانئ وتقليص الضغط الذي تعرفه بعض نقاط العبور.
وتؤكد الأرقام المسجلة إلى غاية 20 يوليوز، إلى جانب حجم الموارد البشرية والبنيات التحتية المسخرة، أن عملية “مرحبا” أصبحت منظومة متكاملة تجمع بين القدرة التنظيمية والبعد الإنساني، في وقت تستعد فيه لاستقبال مزيد من الوافدين خلال الأسابيع التي تعرف عادة أعلى مستويات حركة العبور.
عمل آخر على الضفة الإسبانية
شهدت عملية العبور عبر ميناءي الجزيرة الخضراء وطريفة هذه السنة اعتماد إجراءات تنظيمية جديدة للحد من الاكتظاظ، أبرزها العمل بنظام التذاكر المغلقة التي تحدد تاريخ وساعة العبور مسبقا، ويستهدف هذا الإجراء الحد من وصول المركبات التي لا تتوفر على حجوزات مؤكدة، بعدما كانت تمثل في بعض الفترات نحو 30 في المائة من السيارات الوافدة إلى الميناءين، وهو ما كان يتسبب في اختناقات مرورية ويعقد تدبير فترات الذروة.
ولضمان حسن سير العملية، تمت تعبئة حوالي 1400 شخص من مختلف المصالح والهيئات المعنية، مع تخصيص ميزانية تناهز مليوني أورو لتغطية مصاريف تنظيم عملية العبور في إسبانيا، كما تم رقمنة مختلف الإجراءات المرتبطة بالعملية، إلى جانب تجهيز الباحة اللوجستية المرتبطة بميناءي طنجة بطاقة استيعابية تصل إلى 13 ألف سيارة، مع توفير مختلف المرافق والخدمات الضرورية لاستقبال المسافرين في ظروف مناسبة، وبفضل هذه الإجراءات، لم يتجاوز معدل الانتظار خلال الموسم الماضي ساعتين ونصف في ذروة الحركة.
وفي المقابل، واجهت عملية العبور هذه السنة تحديات إضافية، بعدما أدى تراجع الإقبال على النقل الجوي، بفعل تداعيات الحرب في الشرق الأوسط، إلى توجه عدد أكبر من المسافرين نحو النقل البحري، ما زاد الضغط على الموانئ، كما أن عمليات التفتيش التي تفرض إخلاء الحافلات بالكامل، إلى جانب تفريغ الأمتعة والبضائع وإخضاعها للمراقبة الأمنية، تجعل معالجة هذا النوع من وسائل النقل أكثر تعقيدا وتستغرق وقتا أطول مقارنة بالمركبات الخفيفة، وهو ما يتطلب تنسيقا ميدانيا مستمرا للحفاظ على انسيابية العبور.
المصدر: الصحيفة





