بلال التليدي
كاتب مغربي
قبل شهور تم إنتاج مصطلح «حكومة المونديال»، وتم تداوله على نحو واسع في القاموس السياسي. سبب وروده أن حزب «الأحرار» القائد للحكومة، والذي تلقى انتقادات غير مسبوقة عن تكريسه لتضارب المصالح، كان يمني نفسه بولاية جديدة، ويتطلع إلى أن يحظى بكامل صفقات إعداد البنية التحتية واللوجستية لاستقبال كأس العالم بالمغرب سنة 2030.
لكن الأمور لم تسر كما اشتهى الحزب، إذ فهم من نزول أمينه العام السيد عزيز أخنوش من الشجرة، وترك القيادة لفائدة شاب لا سجل له، أن قيادة حكومة المونديال باتت سرابا، وأن التوجه يسير بعيدا عن هذا الحزب الذي ألصقت به المعارضة وحتى أحزاب من التحالف الحكومي كل خطايا الريع وتضارب المصالح والارتفاع غير المسبوق لنسبة البطالة 13 في المائة، فضلا عن انهيار كامل للقدرة الشرائية لدى الطبقة الدنيا والمتوسطة.
قبل أسابيع خلت، طرح بشكل قوي اسم فوزي لقجع، وزير الميزانية، ورئيس الجامعة المغربية لكرة القدم، لكن كان هناك تقدير سياسي، أن الزج بهذا الاسم قبل بداية مسار المنتخب المغربي في كأس العالم ربما يشكل مغامرة، فأي تعثر له كان سينسب إلى هذه الشخصية، ومن ثمة، لا يمكن الدفع باسم يتحمل سيناريو فشل المنتخب بعد مشاركة مشرفة في كأس العالم بقطر 2022.
اليوم، وبعد اطمئنان مزاج المغاربة والنخب الإعلامية والسياسية من مسار المنتخب على الرغم من الانتقادات التي وجهت للمدرب محمد وهبي في مباراة المنتخب مع فرنسا، لم يعد هناك تحفظ من طرح هذا الاسم.
بدأت مؤشرات هذا المسار الأيام الأولى من الأسبوع الجاري عبر التحاق رسمي للسيد فوزي لقجع بـ»الأصالة والمعاصرة»، وترشيح رسمي له في الانتخابات ببركان، مدينته، وموطن فريقه الأصلي في كرة القدم، الذي يرأسها، وبدأ نقاش متعدد زوايا النظر عن خلفية دخوله معترك السياسة، بعد أن كان موظفا في الإدارة حتى بلغ إلى مسؤوليته العليا في وزارة المالية وفي الجامعة المغربية لكرة القدم، ثم وزيرا للميزانية في حكومة عزيز أخنوش.
الذين يتمثلون الديمقراطية بمقاييسها النظرية، وبتجاربها المتقدمة، شنوا انتقادات حادة على الشكل الذي تدار به السياسة بالمغرب، وأنه ما الفائدة من الانتخابات إن كان المغاربة يعرفون مسبقا من هو رئيس الحكومة، وأن الأمر في البدء والمحصلة ليس سوى صناعة خارطة انتخابية على مزاج السلطة، يعلم الجميع مسبقا من هو الحزب الفائز فيها.
السياسيون البراغماتيون، وجزء من مسؤولي الدولة، الذين يتحسسون إمكان اندلاع احتقانات اجتماعية أسوأ، بسبب من توسع ظاهرة تضارب المصالح وإفسادها لكل القطاعات، يدركون أن الانتخابات كانت دائما محكومة بمنطق الصناعة، وأن وجود فوزي لقجع في رئاسة الحكومة هو أقل الأضرار، وربما أفضل الخيارات للخروج من ورطة حكومة عزيز أخنوش، وتجنب خيار فوز الإسلاميين غير المتحمل إقليميا ودوليا.
الأعيان ورجال الأعمال من محترفي السياسة، ليس لهم أي وجهة نظر عن المستقبل، فكل سيناريو بالنسبة إليهم جيد، بشرط أن يدركوا مساره مبكرا حتى يتهيأوا لمسايرة مجرى الرياح، والقفز على صهوة الجواد الرابح، فقد أدركوا أن السيد فوزي لقجع لا يمكن أن يدخل السياسة هكذا، بتقدير ذات، أو بنشوة بانتصار في الرياضة، ورغبة بتحويل ذلك إلى انتصار في السياسة.
ليس ثمة مؤشرات على وجود انسجام تام لدى النخب العليا بخصوص فعالية سيناريو فوزي لقجع رئيسا للحكومة، فالأمر في البداية يسير في اتجاه المجاراة، ووضع السيناريو في الاختبار، وتحين الفرص لتكريس السيناريو أو إحداث تعديلات عليه، أو ربما تغييره بالمطلق.
الأحزاب السياسية، التي اعتاد بعضها بمعايير ديمقراطية وانتخابية، على مقاومة هذه الخيارات، بوصفها تكريسا لواقع الصناعة الانتخابية، يبدو أنها فضلت أن تعتبر نفسها لم تسمع أو لم تتابع ما يجري، كما ولو أنها لم تعد معنية بفكرة مقاومة صناعة الخرائط وصناعة الحكومة خارج الفعالية الانتخابية.
التعليل هذه المرة براغماتي، فواقع الصناعة، طبقا لما ترسخ لديها من قناعات منذ انتخابات 2021، هو ما كان متوقعا، لكن هذه المرة، ربما يبدو السيناريو أفضل بالنسبة إليها، فعلى الأقل، هي تنظر للسيد فوزي لقجع – حسب تصريحات مسؤوليها-على أساس أنه إطار كفؤ في مجاله المالي، وأحرز إنجازات غير مسبوقة في الرياضة، وبخاصة كرة القدم، وغير متلبس بعلاقات واضحة مع المركبات المصلحية من لوبيات الأعمال.
السيد عبد الإله بن كيران، الذي يقود أقوى حزب معارض، تحدث قبل دخول السيد لقجع مربع السياسة والانتخابات، عن إنجازات معتبرة له في قطاع الرياضة، وطلب من الجمهور التصفيق عندما ذكر انتصارات المنتخب الوطني بقيادته، وقد اعتبرنا في مقال سابق، بأن إشارته هذه لم تكن من غير رسالة، فكأنه، كان على وعي بما يجري، وبعث برسالة تطمين بأن هذا السيناريو لا اعتراض عليه، إن تم بناؤه انتخابيا. دليل ذلك، أن السيد عبد الله بوانو رئيس فريق الحزب بالبرلمان، قال بأن الحديث عن فوزي لقجع رئيسا للحكومة ليس قدرا محتوما، أي أن الحزب لا يقبل بهذا الواقع إلا إن زكي انتخابيا.
الملاحظة الأغرب، ألا أحد من الأحزاب، خاض معركة سياسية ضد ما يشاع بأن السيد فوزي لقجع هو المرشح لرئاسة الحكومة، وأن الجميع توحدوا، بما في ذلك حزبا التحالف الحكومي الرئيسيان: الاستقلال والأصالة والمعاصرة على جلد الحزب القائد للحكومة، ووصمه بأنه رمز للريع وتضارب المصالح، وحتى الأمين العام للعدالة والتنمية، فقد ركز كل خطابه الانتخابي، في جولته في مختلف الأقاليم المغربية، على حكومة السيد أخنوش، ولوحظ تقليل الكلام عن «الأصالة والمعاصرة»، باستثناء وزير العدل، السيد عبد اللطيف وهبي، الذي صار غير مرحب به حتى في حزبه.
الدولة في سياق ترتيب السيناريو تتصرف بذكاء، فقد بعثت بثلاث إشارات أساسية، مرتبة بدقة في الزمن، الأولى، إخراج السيد عزيز أخنوش من المشهد عبر إنزاله من الشجرة، والثاني، طمأنة الأحزاب بإشراكها في اللجنة المركزية لضمان نزاهة الانتخابات على غرار ما حدث في السبعينيات، والثالث، وهو مؤشرات انفراج في الحريات، ظهر على مستوى الكف عن الرد على تصريحات ابن كيران التي طالت بعض مستشاري الملك، ويبدو أن الأمر تم تسويته بتفاعل مباشر معه قدم على إثره اعتذارا على استعمال مفردات غير لائقة، كما ظهر على مستوى التعامل مع الصحافي علي المرابط الذي وجهت له من قبل اتهامات ثقيلة، ثم لم يعتقل عند دخوله للمغرب، بل سمح له بالتحرك والإدلاء بحوارات صحافية، كان من مضمونها الحديث عن إمكان توسيع مجال الحريات الصحافية.
لا ندري إن كانت إشارات أخرى أعطيت لبعض الأحزاب العارضة بأنها ستكون ضمن التركيبة الحكومية القادمة، لكن في المحصلة، هناك ربما تقدير سياسي لديها، بأن إزاحة حكومة لوبيات الأعمال، وإتاحة الفرصة لحكومة أخرى، قد تكون فيها المعارضة بشكل أو بآخر، هو أفضل بكثير من الواقع المشؤوم الذي انتهى إليه السياسة بالمغرب.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





