في حوار حصري مع إيطاليا تلغراف.. فهد المصري يكشف ملامح الجمهورية السّورية الجديدة
حوار: نبيل التّويول – إيطاليا تلغراف
روما/دمشق – في أول حوار صحفي مطول سبق كلمته المتلفزة بعنوان “نداء الجمهورية.. من أجل تأسيس الجمهورية الجديدة”، كشف رئيس الحزب السوري الحر، فهد المصري، عن رؤيته لمستقبل سوريا، مؤكدا أن المشروع الذي يدعو إليه يقوم على بناء دولة القانون والمؤسسات، وترسيخ المواطنة المتساوية، وإطلاق مصالحة وطنية، وإعادة بناء الاقتصاد، مع انتهاج سياسة خارجية مستقلة تقوم على احترام سيادة الدول وحسن الجوار.
وفي الحوار الحصري الذي أجراه معه الصحافي المغربي نبيل التّويول لفائدة إيطاليا تلغراف، تناول المصري عددا من الملفات السياسية والإقليمية، من بينها مستقبل الحياة السياسية السورية، والعلاقات مع الدول العربية، والعلاقة مع المملكة المغربية، حيث أعلن موقفا واضحا من قضية الصحراء المغربية، معتبرا أنها “قضية محسومة” في إطار سيادة المملكة على كامل أراضيها.
ويأتي هذا الحوار في توقيت يشهد حراكا سياسيا متزايدا حول مستقبل سوريا، بالتزامن مع إعلان الحزب السوري الحر تنظيم كلمة سياسية لفهد المصري تحت عنوان “نداء الجمهورية”، في خطوة ينظر إليها مراقبون باعتبارها محاولة لتقديم مشروع سياسي متكامل للمرحلة المقبلة.
ويعد فهد المصري من الشخصيات السورية المعارضة المعروفة. غادر سوريا مطلع تسعينيات القرن الماضي، وواصل نشاطه الإعلامي والسياسي من أوروبا، قبل أن يبرز خلال سنوات النزاع السوري ضمن أوساط المعارضة، ثم يؤسس لاحقا الحزب السوري الحر، الذي يطرح نفسه باعتباره إطارا سياسيا يدعو إلى بناء دولة مدنية حديثة تقوم على الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
وفيما يلي النص الكامل للحوار:
1-:رفعتم شعار “تأسيس الجمهورية الجديدة”. ما هي، من وجهة نظركم، السمات الدستورية والسياسية التي تميز هذه الجمهورية عن جميع المراحل التي عرفتها سوريا منذ الاستقلال، وما هي أول ثلاث أولويات ترون أنه ينبغي إنجازها خلال السنوات الأولى؟
إن الحديث عن تأسيس الجمهورية الجديدة لا يعني القطيعة مع تاريخ سورية، وإنما يعني استخلاص العبر من تجاربها، والانتقال من دولة تقوم على الغلبة أو احتكار القرار إلى دولة تقوم على المواطنة وسيادة القانون.
الجمهورية الجديدة التي نطمح إليها يجب أن تقوم على ثلاثة مبادئ أساسية: أولًا، دولة القانون والمؤسسات بحيث تكون السلطة مقيدة بالدستور والقانون، وليس الأشخاص أو موازين القوة. ثانيا، المواطنة المتساوية التي تجعل جميع السوريين شركاء متساوين في الحقوق والواجبات، بعيدا عن أي تمييز أو إقصاء. وثالثا، التعددية السياسية والشراكة الوطنية باعتبارهما مصدر قوة للدولة وليس تهديدا لها.
أما الأولويات الثلاث خلال السنوات الأولى فأراها:
أولا: إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس مهنية ووطنية، بما يضمن استقلال القضاء، وكفاءة الإدارة، واحتكار الدولة وحدها لحق استخدام القوة وفق القانون.
ثانيا: إطلاق عملية مصالحة وطنية حقيقية تعالج جراح الماضي، وتفتح الطريق أمام السوريين للعيش كشركاء في وطن واحد.
ثالثا: إعادة بناء الاقتصاد وتهيئة بيئة التنمية والاستثمار، لأن الاستقرار السياسي لا يمكن أن يترسخ دون استقرار معيشي وفرص حقيقية للشعب السوري.
الجمهورية لا تقاس فقط بشكل مؤسساتها، وإنما بمدى شعور المواطن بأن الدولة موجودة من أجله، وأن كرامته وحقوقه مصونة فيها.
2-:بعد أكثر من ثلاثة عقود في المنفى، أعلنتم الاستعداد للعودة إلى دمشق. هل ستكون عودتكم في إطار ممارسة العمل السياسي من داخل المؤسسات، أم أنكم تعتزمون إطلاق مبادرة وطنية أوسع تضم قوى سياسية ومدنية مستقلة لإعادة بناء الحياة السياسية السورية؟
العودة إلى سورية بالنسبة لي ليست عودة شخص إلى مكان، وإنما عودة مواطن إلى وطنه بعد سنوات طويلة من الغياب القسري والمعاناة. وهي قبل أي اعتبار مسؤولية وطنية في مرحلة تحتاج إلى مشاركة كل السوريين المخلصين في إعادة بناء الدولة.
أما شكل العمل السياسي في المرحلة المقبلة، فأعتقد أن سورية تحتاج إلى تجاوز منطق الأشخاص والأحزاب الضيقة نحو مشروع وطني جامع. ولذلك فإن الأولوية يجب أن تكون لبناء حياة سياسية صحية، والسعي إلى قانون ناظم للحياة السياسية والأحزاب يسمح لكل القوى الوطنية والمدنية بالمشاركة، ضمن إطار دستوري وقانوني واضح، تمهيدا لمرحلة جديدة بعد انتهاء الفترة الانتقالية، التي يمكن أن تنتهي قبل نهاية العام القادم، لتؤسس لما بعدها بإطلاق العملية الانتخابية على كافة المستويات.
سأعود وأنا أحمل رؤية ومشروعا قائما على فكرة الجمهورية والمواطنة، وسأعمل من أجل توسيع مساحة الحوار بين السوريين، ومد جسور التعاون بين القوى الوطنية التي تؤمن بوحدة سورية وسيادتها ومستقبلها الديمقراطي.
فالمرحلة المقبلة لا تحتاج إلى منافسة على المواقع بقدر حاجتها إلى شراكة في بناء الدولة.
3-:في بيانكم الأخير بشأن لبنان أكدتم دعمكم لمبدأ حصر السلاح بيد الدولة، كما دعوتم إلى سياسة إقليمية تقوم على حسن الجوار. كيف تتصورون موقع سوريا الجديدة في التوازنات الإقليمية، وما هي الضمانات التي ترونها ضرورية للحفاظ على استقلال القرار السوري بعيدا عن صراعات المحاور؟
سورية الجديدة يجب أن تستعيد دورها الطبيعي كدولة عربية مستقلة وفاعلة، لا كساحة صراع بين القوى الإقليمية والدولية. موقع سورية التاريخي والجغرافي يؤهلها لأن تكون عامل استقرار وتوازن، لا طرفا في صراعات المحاور.
ومن هذا المنطلق، فإن السياسة الخارجية السورية يجب أن تقوم على مبادئ واضحة: احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وبناء علاقات تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.
أما ضمان استقلال القرار السوري، فيبدأ من الداخل قبل الخارج؛ من خلال بناء دولة قوية، ومؤسسات وطنية، وجيش وطني يخضع لقرار الدولة، بحيث يكون السلاح حصريا بيد المؤسسات الشرعية.
الدولة التي تمتلك شرعية داخلية ومؤسسات قوية تكون أكثر قدرة على حماية استقلال قرارها الخارجي.
ونحن نؤمن أن سورية يجب أن تكون جسرا للتواصل والتعاون بين محيطها العربي والإقليمي والدولي، لا ساحة لتصفية الحسابات.
4-:في ضوء سعي سوريا الجديدة إلى إعادة بناء علاقاتها العربية والدولية، كيف تنظرون إلى العلاقات السورية المغربية مستقبلا، وما هو موقفكم من قضية الصحراء المغربية، في ظل اعتبارها إحدى القضايا المركزية في السياسة الخارجية للمملكة المغربية؟ وهل ترون إمكانية أن تؤسس دمشق لعلاقات استراتيجية مع الرباط تقوم على احترام المصالح العليا للبلدين؟
العلاقات السورية المغربية تحمل عمقا تاريخيا وحضاريا كبيرا، والشعبان السوري والمغربي تجمعهما روابط ثقافية وإنسانية عميقة. ومن الطبيعي أن تكون إعادة بناء العلاقات العربية على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة إحدى أولويات المرحلة المقبلة.
إن سورية الجديدة يجب أن تنتهج سياسة خارجية تقوم على الحوار مع جميع الأشقاء العرب، وعدم تحويل القضايا العربية إلى ساحات خلاف دائم، بل إلى فرص للتفاهم والتعاون.
وفيما يتعلق بالقضايا الخلافية بين الدول العربية، فإن المبدأ الذي يجب أن يحكم السياسة السورية هو احترام سيادة الدول، والاستماع إلى وجهات النظر المختلفة، والعمل ضمن الأطر العربية والدولية المعترف بها، بما يخدم الاستقرار الإقليمي.
أما العلاقات السورية المغربية، فأرى أنها تمتلك فرصا واسعة لتكون علاقات استراتيجية قائمة على التعاون السياسي والاقتصادي والثقافي، وعلى ما يجمع البلدين من تاريخ ومصالح مشتركة.
ومن المهم جدا لسورية الجديدة الاستفادة من التجربة المغربية العميقة والتراكمية في شتى المجالات، وعلى رأسها التعاون في إعادة بناء مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية، والاستفادة من الخبرة المغربية في مشاريع إعادة الإعمار، إضافة إلى تجربة الحكم الرشيد والإدارة المحلية والتنمية الاقتصادية.
المغرب يمتلك تجربة غنية وفريدة، لا بد من الاستفادة منها بما ينعكس بالخير على بلدينا.
وسورية الجديدة يجب أن تمد يدها لكل الأشقاء العرب، وأن تعود إلى موقعها الطبيعي في الأسرة العربية، على أساس الاحترام المتبادل والتعاون البنّاء.
أما في ما يتعلق بقضية الصحراء المغربية، فأرى أنها قضية محسومة، ولا جدال في سيادة المملكة المغربية على كامل أراضيها وأقاليمها الصحراوية. كما أعتقد أن مبادرة الحكم الذاتي التي اقترحتها المملكة تمثل طرحا متقدما وسخيا في ضوء التطورات التي عرفها هذا الملف، وأن ما كان مطروحا في السابق قد لا يكون مطروحا اليوم. وأرى كذلك أن منظمة البوليساريو تتجه نحو التصنيف في الولايات المتحدة الأمريكية كمنظمة إرهابية.





