المغرب يختبر تنظيما أقل كلفة لكأس إفريقيا للسيدات.. نضج لوجستي بلا بذخ أو استثمارات زائدة

إيطاليا تلغراف متابعة

أظهرت النسخة الحالية من كأس أمم إفريقيا للسيدات، التي يحتضنها المغرب للمرة الثالثة على التوالي، توجها تنظيميا مختلفا عن الصورة التي ارتبطت خلال السنوات الماضية بالتظاهرات الكروية القارية المقامة في المملكة، فبدلا من الإنفاق الإضافي على الاحتفالات والزينة الخارجية والعناصر البصرية المكلفة، بدا أن المنظمين اختاروا التركيز على الوفاء الصارم بمتطلبات الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم، مع استثمار ما أصبح متاحا سلفا من ملاعب وتجهيزات وفنادق وشبكات نقل وخدمات لوجستية.

وظهر هذا الاختيار منذ حفل افتتاح البطولة، الذي جاء بسيطا من حيث الحجم والمدة والديكور، لكنه نُفذ باحترافية وانضباط واضحين. ولم تغب متطلبات الصورة التلفزيونية أو التنظيم الأمني واستقبال الجماهير، غير أن المشهد خلا من الزخرفة المفرطة التي ميزت بعض البطولات السابقة، سواء في تغليف جنبات الملاعب أو في العروض الفنية والاحتفالية الموجهة أساسا إلى تسويق صورة البلد المضيف.

ووفق مصادر “الصحيفة”، اعتمد المغرب في هذه النسخة على تنفيذ دفتر التحملات الذي تضعه “الكاف”، من دون إضافة نفقات احتفالية كبيرة لا ترتبط مباشرة بسير المنافسة.

وتؤكد المصادر أن ما يوفره المغرب للمنتخبات المشاركة يفوق، في جوانب عدة، الحد الأدنى المطلوب، بالنظر إلى توفر ملاعب رسمية حديثة، وملاعب للتداريب، ومؤسسات فندقية مصنفة، وتجهيزات للنقل والبث التلفزيوني، فضلا عن الخبرة البشرية والأمنية والتقنية المتراكمة.

ولا توجد، حتى الآن، أرقام رسمية مفصلة تتيح مقارنة ميزانية النسخة الحالية بمصاريف الدورتين السابقتين، لذلك لا يمكن الجزم بحجم التخفيض المالي، غير أن المؤشرات الظاهرة، وفق المصادر نفسها، تعكس انتقالا من منطق “إثبات القدرة على التنظيم” إلى منطق تدبير الموارد المتاحة بكفاءة، بعدما لم يعد المغرب في حاجة إلى إنفاق إضافي لإقناع الهيئات القارية بامتلاكه البنية الضرورية.

وتقام البطولة بين 26 يوليوز و16 غشت 2026، بمشاركة 16 منتخبا للمرة الأولى، بعدما كانت المنافسة تضم 12 منتخبا في النسختين الماضيتين، كما أصبح المغرب أول بلد يستضيف كأس أمم إفريقيا للسيدات لثلاث دورات متتالية، بعد نسختي 2022 و2024، اللتين بلغ فيهما المنتخب المغربي المباراة النهائية.

وتزداد دلالة هذا الخيار لأن نسخة 2026 توسعت إلى 16 منتخبا و34 مباراة، ما رفع العبء التشغيلي المتعلق بالإقامة والتنقل والتداريب والتغطية الإعلامية، ومع ذلك، لم يحتج المنظمون، بحسب مصادر الصحيفة، إلى إنشاء منظومة موازية أو إطلاق أوراش ظرفية خاصة بالبطولة، بل استوعبت المنشآت الموجودة هذا التوسع، بما يكشف أن الاستثمار الأكبر أُنجز خلال مراحل سابقة وأصبح اليوم قابلا لإعادة الاستخدام.

ويأتي هذا التحول بعد تجربة كأس أمم إفريقيا للرجال “المغرب 2025″، التي سخرت لها المملكة ملاعب كبرى ومراكز للتداريب وإقامات وتجهيزات للنقل والبث والخدمات الجماهيرية، حيث وصف مسؤولو “الكاف” البنيات التحتية التي وفرها المغرب بأنها ذات مستوى عالمي، فيما أشادت شهادات رسمية بجودة الملاعب والفنادق ومرافق التداريب وتنظيم النقل.

واعتبرت الكونفدرالية نسخة 2025 أنجح تجربة تجارية في تاريخ كرة القدم الإفريقية، بعدما ارتفعت مداخيل المسابقة بأكثر من 90 في المائة، وبلغ عدد الرعاة 23، كما سجلت البطولة ستة مليارات مشاهدة عبر المنصات الرقمية.

ونجاح تلك النسخة قدم، إلى جانب العائد الإعلامي والتنظيمي، قدم دروسا تتعلق بكلفة التفاصيل وإمكان الفصل بين جودة الخدمات وحجم المظاهر الاحتفالية، فالملاعب الحديثة، والنقل المنظم، وأرضيات اللعب الجيدة، وغرف الملابس، ومناطق الإعلام والبث، وإقامة المنتخبات، هي العناصر التي تحدد فعليا مستوى البطولة، أما التزيين المؤقت والعروض الضخمة فلا تترك أثرا دائما، وقد تتحول إلى نفقات يصعب تبريرها عندما تكون البنية الأساسية مكتملة.

ومن هذا المنطلق، تبدو كأس إفريقيا للسيدات الحالية اختبارا لنموذج أكثر نضجا، حيث تم الاعتماد على تنظيم يستوفي المعايير ويحافظ على راحة المنتخبات والجماهير، لكنه يتخلى عن الرغبة في الإبهار في كل مناسبة.

ووفق مصادر “الصحيفة” فالمغرب الذي كان يستخدم البطولات لإظهار قدرته التنظيمية أصبح اليوم يمتلك رصيدا معترفا به قاريا ودوليا، ويستعد لاحتضان تظاهرات أكبر، في مقدمتها كأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال.

ذات المصادر أكدت أن البساطة المسجلة لا تعني تراجعا في الاهتمام بالبطولة النسوية، بقدر ما تعكس، وفق المعطيات المتاحة، انتقالا من الإنفاق المرتبط بالصورة إلى الإنفاق المرتبط بالوظيفة والاستدامة، وهو تحول قد يسمح للمغرب بتنظيم عدد أكبر من التظاهرات بكلفة أكثر عقلانية، مع الحفاظ على المعايير التي جعلته أحد أبرز مراكز تنظيم كرة القدم في إفريقيا.

المصدر: الصحيفة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...