من حلم الثورة إلى مطلب الرحيل.. تونسيون يتهمون قيس سعيد بإعادة البلاد إلى زمن الخوف والاعتقالات والكساد الاقتصادي
عادت شعارات الثورة التونسية إلى شارع الحبيب بورقيبة، لكن هذه المرة موجهة ضد رئيس وصل إلى قصر قرطاج محمولا على آمال واسعة في استكمال مسارها.
وفي 25 يوليوز الجاري، خرج آلاف المحتجين في العاصمة التونسية مطالبين برحيل الرئيس قيس سعيد، ورددوا شعارات “الشعب يريد إسقاط النظام” و”حرية، شغل، كرامة وطنية”، إلى جانب المطالبة بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، كما رفعت لافتات تقول “ارحل” و”انتهت اللعبة”، في مؤشر على تصاعد الغضب بعد خمس سنوات من التدابير الاستثنائية التي بدأها سعيد في 25 يوليوز 2021.
ولا ترتبط الاحتجاجات الأخيرة بالمسألة السياسية وحدها، بل جاءت أيضا على خلفية انقطاعات طويلة للكهرباء والماء، وارتفاع الأسعار، وتدهور بعض الخدمات العمومية.
وكانت العاصمة قد شهدت في 16 ماي 2026 مسيرة أخرى رفع المشاركون فيها شعار “الشعب جائع والسجون مملوءة”، في تعبير يلخص التقاء الأزمة الاجتماعية مع اتساع دائرة الاعتقالات والمحاكمات.
ويعكس استرجاع شعارات 2011 شعورا متناميا لدى فئات من التونسيين بأن ثورتهم سُرقت مرتين، الأولى خلال عقد من الصراعات الحزبية والتعثر الاقتصادي بعد سقوط زين العابدين بن علي، والثانية عندما استثمر قيس سعيد خيبة الأمل الشعبية لتجميع السلطات بين يديه.
فالرئيس، الذي كان أستاذا جامعيا في القانون الدستوري ولم يسبق له تولي مسؤولية سياسية أو تنفيذية، فاز بانتخابات 2019 بنسبة 72.71 في المائة، مقدما نفسه بوصفه مرشحا مستقلا ونظيفا وقريبا من الشباب، وقادرا على محاربة الفساد وإعادة السلطة إلى المواطنين، غير أن نقطة التحول جاءت عندما جمّد سعيد البرلمان وأقال رئيس الحكومة، قبل أن يحل المجلس النيابي ويحكم بالمراسيم.
وفي سنة 2022، أُقر دستور جديد عزز صلاحيات الرئاسة وأضعف الضوابط المؤسساتية، فيما أعيد انتخابه سنة 2024 بنسبة رسمية تجاوزت 90 في المائة، لكن بمشاركة لم تتعد 28.8 في المائة، في انتخابات جرت بينما كان عدد من منافسيه المحتملين في السجن أو مستبعدين من السباق، وبالنسبة إلى خصومه، تحولت شرعية صناديق الاقتراع إلى نظام شخصي لا توجد داخله مؤسسات قادرة على موازنة سلطة الرئيس.
وتشكل الاعتقالات أبرز أسباب المقارنة المتزايدة بمرحلة ما قبل ثورة 2011. فقد أحصت “هيومن رايتس ووتش”، إلى حدود نونبر 2024، أكثر من 80 شخصا محتجزين على خلفيات سياسية أو بسبب ممارسة حقوقهم الأساسية، بينهم سياسيون وصحافيون ومحامون ونشطاء ومدافعون عن حقوق الإنسان.
كما شملت المحاكمات شخصيات من اتجاهات متعارضة، من رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي إلى رئيسة الحزب الدستوري الحر عبير موسي، إضافة إلى معارضين ونشطاء وصحافيين، كما تشير منظمة “مراسلون بلا حدود” إلى وجود ثلاثة صحافيين رهن الاعتقال حاليا.
هذا، وامتد تركيز السلطة إلى القضاء، ففي يونيو 2022، منح سعيد نفسه صلاحية عزل القضاة، ثم أقال 57 قاضيا ووكيل جمهورية دفعة واحدة، قبل أن تتواصل الملاحقات ضد عدد منهم رغم صدور قرارات قضائية لفائدة بعض المعزولين، كما سبق للرئيس أن حل المجلس الأعلى للقضاء واستبدله بهيئة مؤقتة، وهو ما اعتبرته منظمات حقوقية ضربة لاستقلال المؤسسة القضائية وضمانات المحاكمة العادلة.
ويثير اتساع حضور المؤسسة العسكرية في بعض المشاريع والمهام المدنية نقاشا موازيا، فالجيش التونسي اكتسب مكانته التاريخية من بقائه بعيدا نسبيا عن الصراع السياسي، ورفضه التحول إلى أداة لحماية نظام بن علي خلال ثورة 2011، لذلك يرى منتقدون أن تكليف المؤسسة العسكرية بأدوار اقتصادية وإدارية متزايدة، مع حضور الرئيس المتكرر داخلها، قد يعرّض عقيدتها الجمهورية والمهنية لاختبار غير مسبوق.
اقتصاديا، لم تنجح مركزية القرار في إنتاج التحول الذي وعد به سعيد، فقد بلغ النمو 2.6 في المائة خلال الربع الأول من 2026، بينما ظلت البطالة عند 15 في المائة، وسجل التضخم 5.3 في المائة في يونيو، مع ارتفاع أسعار الغذاء بنسبة أكبر من المعدل العام، ويؤكد البنك الدولي في هذا السياق، أن الاقتصاد التونسي ما زال يعمل في بيئة صعبة تعوق الاستثمار والنمو المستدام، وأن الدين العام ارتفع من نحو 40 في المائة من الناتج سنة 2010 إلى قرابة 80 في المائة خلال السنوات الأخيرة.
أما سياسيا ودبلوماسيا، فيتهم خصوم سعيد نظامه بإدارة البلاد عبر خطاب دائم عن “المتآمرين” و”الخونة” و”العملاء”، وتحويل الفشل الداخلي إلى نتيجة لمؤامرات خارجية، كما ينتقدون تضييق علاقات تونس الإقليمية واعتمادها المتزايد على تحالفات محدودة، مقابل توترات متكررة مع شركاء أوروبيين ومنظمات دولية.
وهكذا يجد قيس سعيد نفسه في مواجهة مفارقة ثقيلة، فالرئيس الذي صعد باعتباره تجسيدا لغضب الشباب على النخب القديمة أصبح هدفا للشعارات نفسها التي أسقطت نظام بن علي، ومع اتساع الاعتقالات وإضعاف القضاء وتراجع الصحافة وعودة خطاب المؤامرة والخوف، يشعر المواطن التونسي بإحساس متنامي بأن تضحيات محمد البوعزيزي وثورة الحرية والكرامة لم تحقق وعودها، ومع عودة شعار “الشعب يريد إسقاط النظام”، يبدو أن الشارع التونسي بدأ ينتقل من المطالبة بإصلاح حكم سعيد إلى التشكيك في قدرته على الاستمرار.
المصدر: الصحيفة





