المعادن النادرة وأمن الطاقة والهجرة.. تُدخلُ الحدودَ البحرية بين المغرب وجزر الكناري في صلب الحسابات الجيوسياسية للاتحاد الأوروبي
أكد تقرير إسباني حديث أن ملف ترسيم الحدود البحرية بين المغرب وجزر الكناري مرشح لأن يتحول خلال العقود المقبلة من قضية قانونية وتقنية إلى أحد أبرز الملفات الجيوسياسية التي ستؤثر في مستقبل الأمن والاقتصاد والطاقة داخل الاتحاد الأوروبي، في ظل تصاعد أهمية المنطقة الأطلسية باعتبارها فضاء استراتيجيا غنيا بالموارد الطبيعية وممرا حيويا لمصالح الأوروبية.
ويستند هذا التقييم إلى دراسة بعنوان “ترسيم المجالات البحرية بين جزر الكناري والمغرب في أفق 2030-2050″، والتي تناولت مختلف الأبعاد الجيوسياسية والاقتصادية والاستراتيجية المرتبطة بمنطقة التداخل القائمة حاليا بين المناطق الاقتصادية الخالصة لكل من المغرب وإسبانيا.
وترى الدراسة أن هذه المنطقة أصبحت تحظى باهتمام دولي متزايد بفعل التحولات التي يشهدها سوق الموارد الاستراتيجية عالميا، بعدما انتقل الاهتمام من نشاط الصيد البحري واحتمالات وجود احتياطات من المحروقات إلى اكتشاف معادن ذات قيمة استراتيجية في أعماق المحيط، خاصة في محيط جبل “تروبيك” وسلسلة الجبال البحرية القريبة من جزر الكناري.
وأوضحت الدراسة أن التحول العالمي نحو الطاقات النظيفة، والارتفاع المتواصل في الطلب على المعادن الحيوية اللازمة للصناعات التكنولوجية، جعلا من الأرخبيل الإسباني منطقة ذات أهمية جيوستراتيجية متزايدة بالنسبة لإسبانيا والاتحاد الأوروبي.
كما أشارت إلى أن قرب جزر لانزاروت وفويرتيفنتورا من السواحل الإفريقية، يجعل من المستحيل عمليا أن يحصل كل طرف على منطقة اقتصادية خالصة كاملة دون تداخل، الأمر الذي يفرض التوصل إلى اتفاق ثنائي بين المغرب وإسبانيا وفق أحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.
وأضاف التقرير أن مدريد تتمسك بمبدأ خط الوسط أو مبدأ تساوي المسافات كأساس لترسيم الحدود البحرية، في حين يدافع المغرب عن مقاربة تقوم على مبادئ الإنصاف والتناسب، وهو ما يجعل المفاوضات المحتملة أكثر تعقيدا، حيث أشار إلى أن الوضع القانوني للصحراء، يظل من بين العوامل التي تضفي مزيدا من التعقيد على أي تسوية نهائية للحدود البحرية في المنطقة.
وترى الدراسة أن الأهمية الحقيقية للمنطقة البحرية لا ترتبط فقط بمسألة ترسيم الحدود، وإنما أيضا بما تختزنه أعماق المحيط من ثروات معدنية استراتيجية، تشمل التيلوريوم والكوبالت والنيكل والفاناديوم والبلاتين والعناصر الأرضية النادرة، وهي معادن تدخل في تصنيع السيارات الكهربائية، وتقنيات الطاقات المتجددة، والصناعات الإلكترونية المتقدمة، فضلا عن الصناعات الدفاعية.
وفي هذا السياق، اعتبرت الدراسة أن جبل “تروبيك” يمثل أبرز نقطة جذب لهذه الموارد، مشيرة إلى أن تحديد الجهة التي ستؤول إليها هذه الثروات سيظل رهينا بالحسم النهائي في ترسيم الجرف القاري الموسع.
وربط معدو التقرير هذه المعطيات بالمساعي الأوروبية الرامية إلى تحقيق قدر أكبر من الاستقلال الصناعي وتقليص الاعتماد على الأسواق الخارجية في تأمين المعادن الحيوية، معتبرين أن جزر الكناري مرشحة لتعزيز دورها بوصفها بوابة خارجية للاتحاد الأوروبي ومنصة استراتيجية تربط بين أوروبا وإفريقيا والأمريكيتين.
وفي الجانب الأمني، توقعت الدراسة أن تشهد المنطقة تحديات متزايدة مع حلول أفق 2030-2050، من بينها حماية طرق الملاحة الدولية، وضمان أمن الطاقة الأوروبي، وتأمين البنيات التحتية الحيوية، والتعامل مع التحولات المرتبطة بتدفقات الهجرة القادمة من منطقة الساحل، فضلا عن احتمال تعرض المنشآت البحرية لأعمال تخريبية وتصاعد المنافسة الدولية على الموارد الطبيعية.
وأشار المصدر ذاته إلى أن المغرب يعمل في المقابل على تنفيذ استراتيجية أطلسية تهدف إلى تطوير موانئه المطلة على المحيط الأطلسي، وتوسيع مشاريع الطاقات المتجددة، وتعزيز موقعه كمركز لوجستي يربط بين أوروبا وإفريقيا، وهو ما يخلق، بحسب الدراسة، تداخلا واضحا في المصالح الاستراتيجية بين الجانبين.
المصدر: الصحيفة





