اعتمد البرلمان الأوروبي، يوم 17 شتنبر الجاري، قرارا بشأن أحداث سبتة التي شهدت في نهاية يوليوز دخولا جماعيا غير مسبوق للمهاجرين، واضعا الملف للمرة الأولى بهذا الوضوح داخل نقاش أوروبي يجمع بين أمن الحدود والهجرة والعلاقة مع المغرب.
القرار مرّ بـ339 صوتا مؤيدا، مقابل 225 معارضا و16 امتناعا، وأعلن البرلمان تضامنه مع سبتة ومليلية، معتبرا المدينتين “جزءا من الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي”، وداعيا إلى تعزيز حماية الحدود البرية والبحرية للاتحاد، كما وصف استخدام الهجرة غير النظامية أداة للضغط على دولة عضو بأنه شكل من أشكال “الحرب الهجينة”.
لكن الوصول إلى هذه الصيغة لم يكن منفصلا عن الصراع السياسي الإسباني، فبعد فشل الحزب الشعبي الأوروبي والاشتراكيين في التوصل إلى نص مشترك، أصبح مشروع القرار الذي صاغه الشعبيون أساس التصويت النهائي، وحصل النص على دعم المحافظين واليمين واليمين المتشدد والسياديين، إلى جانب جزء من الكتلة الليبرالية، فيما عارضه الاشتراكيون والخضر واليسار وقسم آخر من الليبراليين.
وهنا برز دور حزب فوكس الإسباني، الذي دفع باتجاه تشديد مضمون القرار تجاه المغرب، فمن بين نحو ثمانين تعديلا طُرحت على النص، قدم فوكس ستة تعديلات، لم يمر منها في هذا الجانب سوى المقتضى الذي يطالب بإنشاء آليات تسمح بتعليق المدفوعات الأوروبية واسترجاع الأموال التي سبق صرفها لدولة شريكة عندما لا تتعاون أو عندما تصبح مصالح الاتحاد أو إحدى دوله الأعضاء موضع تهديد.
لكن هذه النقطة تحتاج إلى قراءة دقيقة، فالبرلمان الأوروبي لم يقرر تعليق التمويل المخصص للمغرب، ولم يفرض عقوبات على الرباط، بل إن تعديلا آخر اقترحه فوكس وكان يطالب بوقف فوري لكل التمويلات الأوروبية الموجهة إلى المغرب إلى حين انتهاء الأزمة وتقديم ضمانات للتعاون، لم يحصل على الأغلبية وسقط أثناء التصويت، كما لم تمر مطالب أخرى أكثر تشددا مرتبطة بفرض عقوبات مباشرة.
القرار، في المقابل، أبقى التعاون مع المغرب في قلب المقاربة الأوروبية للأزمة، فالنص يدعو إسبانيا والمغرب إلى تكثيف التعاون لإعادة وقبول المهاجرين الموجودين في وضع غير نظامي ممن دخلوا خلال أحداث نهاية يوليوز، ويطالب الرباط بالوفاء بالتزاماتها في إدارة الحدود ومكافحة شبكات تهريب البشر وتحديد هوية المهاجرين وإعادة قبولهم.
وفي الوقت نفسه، ربط البرلمان الوصول التفضيلي إلى السوق الأوروبية والتمويل الأوروبي بمدى فعالية تعاون الدول الشريكة في ملفات الحدود والهجرة وإعادة القبول.
وهذا هو المقتضى الأكثر حساسية بالنسبة إلى المغرب، لأنه يضع التمويل والتسهيلات الاقتصادية مستقبلا ضمن منطق مشروط بالأداء في ملف الهجرة، وإن لم يتحول الآن إلى إجراء عقابي مباشر.
في ذات الوقت القرار لم يوجه انتقاداته إلى المغرب وحده، فقد انتقد أيضا سياسة التسوية الواسعة للمهاجرين التي اعتمدتها حكومة بيدرو سانشيز، معتبرا أنها قد تولد “عامل جذب”، وطالب المفوضية الأوروبية بدراسة تأثير عمليات التسوية الوطنية على حركة المهاجرين داخل فضاء شنغن وأمنه، وهو أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت الاشتراكيين الإسبان إلى التصويت ضد القرار واتهام اليمين باستخدام أزمة سبتة في الصراع الداخلي الإسباني.
وعليه، تكشف قراءة القرار عن ثلاثة ملفات متداخلة: صراع سياسي إسباني انتقل إلى البرلمان الأوروبي، وهاجس أوروبي متزايد بشأن حماية الحدود، وعلاقة استراتيجية مع المغرب لا تزال بروكسيل تعتبرها ضرورية لإدارة الهجرة في غرب المتوسط.
فالخطاب الأوروبي ارتفع سقفه، وبعض المقتضيات تحمل رسائل واضحة إلى الرباط، لكن البرلمان لم يحول أحداث سبتة إلى مسار عقوبات على المغرب، وحتى بعد التصويت، بقيت المعادلة الأساسية قائمة، حول ضغط سياسي أكبر، مقابل استمرار الحاجة الأوروبية إلى التعاون مع المغرب في الحدود والهجرة وإعادة المهاجرين.
المصدر: الصحيفة





