في خضم الحروب والأزمات الدولية.. التبادل التجاري يُعزز التقارب بين المغرب وروسيا

إيطاليا تلغراف متابعة

في الوقت الذي أعادت فيه الحروب والأزمات الدولية رسم خريطة التحالفات الاقتصادية وسلاسل الإمداد العالمية، برزت العلاقات المغربية الروسية كواحدة من الشراكات التي حافظت على وتيرة مستقرة، بل شهدت زخما متزايدا على المستوى التجاري، في وقت اختارت فيه الرباط انتهاج سياسة متوازنة تجاه الحرب الروسية الأوكرانية، بعيدا عن الاصطفافات الغربية الحادة.

وأفرزت العقوبات الغربية المفروضة على موسكو منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا واقعا اقتصاديا جديدا، دفع روسيا إلى البحث عن شركاء وأسواق بديلة، وهو ما دفع المغرب للاستفادة من موقعه الجغرافي وبنيته اللوجستية ليصبح محطة بارزة في حركة التجارة المرتبطة بروسيا، سواء في مجال الطاقة أو المنتجات الزراعية.

وفي هذا السياق، أكد السفير الروسي لدى الرباط، إيغور بيليايف في تصريحاته الأخيرة لوكالة الأنباء الروسية “ريا نوفوستي”، أن حجم المبادلات التجارية بين البلدين يتراوح حاليا بين 1.5 و2 مليار دولار سنويا، مشيرا إلى أن روسيا تصدر إلى المغرب المواد الخام الزراعية والمنتجات الصناعية والكيميائية، بما فيها اليوريا، إضافة إلى الأنسولين والأدوية المضادة للأورام واللقاحات والمبيدات الحشرية، بينما يصدر المغرب إلى روسيا الفواكه والخضروات والمنتجات البحرية التي تحظى بطلب متزايد لدى المستهلك الروسي.

واعتبر السفير الروسي أن مستوى التعاون الاقتصادي لا يزال بالرغم من ذلك دون مستوى العلاقات السياسية بين البلدين، مؤكدا أن هناك إمكانات كبيرة غير مستغلة لتوسيع الشراكة التجارية، كما أعلن استعداد موسكو لتقاسم خبراتها مع المغرب في مجالات الذكاء الاصطناعي والطاقة، مشيرا إلى اهتمام الشركات الروسية بالمشاركة في مشاريع الطاقة الجديدة بالمملكة، وهو ما يعكس رغبة روسية في توسيع التعاون إلى ما يتجاوز المبادلات التجارية التقليدية.

ويرى الديبلوماسي الروسي أن الحوار السياسي بين الرباط وموسكو يتمتع بمستوى مرتفع من الاستمرارية، رغم التحولات التي يشهدها النظام الدولي، معتبرا أن العلاقات السياسية القائمة يمكن أن تشكل قاعدة لتوسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري خلال السنوات المقبلة.

وخلال الأشهر الأخيرة، سلطت تقارير دولية الضوء على تنامي الحركية التجارية بين البلدين، إذ أصبح المغرب أحد الوجهات البارزة لشحنات الغاز والديزل الروسي بعد إعادة توجيه الصادرات الروسية بفعل العقوبات الغربية، حيث تحولت الموانئ المغربية، وخاصة ميناء طنجة المتوسط، إلى نقطة عبور لعدد من الشحنات المرتبطة بالسوق الروسية، مستفيدة من موقع المملكة كمركز لوجستي يربط أوروبا وإفريقيا والمحيط الأطلسي.

وفي هذا السياق، ذكرت تقارير إعلامية مؤخرا وصول ناقلة تحمل نحو 30 ألف طن من البنزين انطلقت من ميناء طنجة إلى ميناء مورمانسك شمال غربي روسيا، في عملية وصفتها ذات التقارير بأنها استثنائية، بعدما لجأت موسكو إلى استيراد الوقود من الخارج لتعويض النقص الذي سببته الهجمات الأوكرانية على مصافيها.

وما يؤكد أيضا وجود حركية تجارية نشطة بين البلدين، ما ذكرته تقارير أخرى اليوم الخميس، بشأن اعتراض السلطات السويدية بطلب من أوكرانيا، سفينة روسية كانت قد غادرت ميناء الدار البيضاء قبل أيام من احتجازها وهي في طريقها إلى سانت بطرسبورغ، حيث ادعت كييف، أن السفينة كانت تنقل شحنة من القمح الأوكراني الذي نُهب من أراضيها المحتلة.

وتشير هذه الوقائع أن المغرب أصبح جزءا من شبكة تجارية فرضتها التحولات الدولية، حيث باتت الموانئ المغربية تستقبل أو تعبر من خلالها شحنات مرتبطة بروسيا في الاتجاهين، سواء تعلق الأمر بالطاقة أو الحبوب أو السلع الأخرى.

ويأتي ذلك في سياق موقف دبلوماسي مغربي اتسم بالحذر منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، إذ حافظت الرباط على علاقاتها مع مختلف الأطراف، وواصلت تعاونها الاقتصادي مع موسكو، بالتوازي مع تطوير شراكاتها مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ما منحها هامشا أوسع للتحرك.

ولا يقتصر التقارب بين البلدين على الجانب الاقتصادي، إذ أعلن السفير الروسي أن وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة يرتقب أن يزور موسكو نهاية شتنبر للمشاركة في الدورة السابعة للمنتدى العربي الروسي، مشيرا إلى أن وزيري خارجية البلدين يحافظان على اتصالات منتظمة ويجتمعان باستمرار على هامش المحافل الدولية.

وفي ظل استمرار الحرب في أوكرانيا، والأزمات التي تطال أسواق الغذاء والطاقة والنقل البحري، يبدو أن المصالح الاقتصادية باتت تلعب دورا متزايدا في تقريب وجهات النظر بين المغرب وروسيا، حيث فرضت التحولات الدولية واقعا جديدا أصبحت فيه التجارة إحدى أهم قنوات التواصل بين البلدين.

المصدر: الصحيفة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...