حين تتلاقى المصالح القطرية والإسرائيلية بعيداً عن صخب الشاشات: تحالفات الكواليس وازدواجية الخطاب
عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا ومتابع للشأن السياسي
مهتم بالشؤون العربية قضايا الهجرة والبحث في الفكر والإسلام.
تتجسد في المشهد الإعلامي والسياسي الراهن بوضوح صارخ حالة من الانفصام البنيوي بين ما يُبث للرأي العام العربي من شعارات حماسية وخطابات تعبئوية وبين ما تحيكه دوائر صنع القرار خلف الأبواب المغلقة من تفاهمات وشراكات استراتيجية. ومثّل الخطاب الإعلامي الموجه ولا سيما عبر شبكات التلفزيون الكبرى التي تتخذ من العواصم الخليجية منطلقاً لها نموذجاً فجاً لهذه الازدواجية فهي من جهة ترفع لواء الدفاع عن قضايا الأمة وتستثمر عاطفياً في آلام الشعوب ومن جهة أخرى تغض الطرف كلياً عن شبكة المعاملات المعقدة والصفقات العسكرية والتجارية المربحة التي تجمتع فيها مصالح عواصم التمويل مع تقنيات وصناعات أمنية متقدمة تُدار عبر وسطاء ومنظومات غربية، لتكرس بذلك فهماً أحادياً يعمد إلى توجيه بوصلة الرأي العام وفق أجندات سياسية محددة.
إن تتبع مسار التغطيات الإخبارية الموجهة يكشف بجلاء كيف يتم توظيف الأداة الإعلامية كسلاح موجه لتصدير الأزمات واستهداف الدول التي تخطو خطوات سيادية مستقلة مثل المغرب عبر اختلاق ملفات وهمية وحملات شيطنة ممنهجة تركز على الموانئ الكبرى كطنجة المتوسط أو البنى التحتية الوطنية بغرض التشويش ومحاولة ثني الدبلوماسية المغربية عن مسارها الواثق وثوابتها الوطنية. وفي المقابل تُمارس سياسة التعتيم المطلق والصمت المطبق عندما يتعلق الأمر بفضائح التعاون الخفي والعقود العسكرية الباهظة التي تربط الدوحة بمنظومات الصناعة الدفاعية والتي شملت تجهيز مقاتلات متطورة وأنظمة حماية ليزرية متقدمة لطائرات الأسرة الحاكمة عبر صفقات بمئات الملايين من الدولارات جرى هندستها عبر قنوات أمريكية وشركات وسيطة لتفادي الحرج السياسي المباشر في تناقض فاضح يكشف زيف الشعارات المرفوعة.
ما يزيد المشهد ضبابية ويثير علامات الاستفهام الكبرى هو ذلك الصمت المطبق والتواطؤ المفضوح لبعض التيارات والتوجهات المحسوبة على تيارات الإسلام السياسي والجهات الداعمة بقوة لمنصة قناة الجزيرة ومن خلفها إذ لم نسمع لهم صوتًا ولا رِكْزًا ولا همسًا ولا حتى أدنى انفعال أو مظاهرة استنكار حول هذا التنسيق والتعاون القطري الإسرائيلي المتشعب مما يدفع لطرح تساؤلات مشروعة حول ما إذا كان هذا الصمت المريب مرده إلى السخاء المالي والكرم القطري المعهود في تمويل هذه الجهات. علما أن هذا التقارب والتطبيع الخفي أصبح حقيقة جلية يعرفها الخاص والعام ولا يمكن بأي حال من الأحوال إنكارها أو القفز عليها في زمن التكنولوجيا وانفتاح الفضاءات الرقمية حيث بات العالم قرية صغيرة تكشف المستور وتفضح ازدواجية المعايير بمجرد النقر على زر.
وبحكم أنني صحفي مهني مقيم في إيطاليا ومتابع دقيق للتطورات الجيوسياسية فقد تابعت بكل اهتمام ما يقع في العلاقات والمصالح المعقدة واطلعت بعمق على ما تم نشره حول هذا الموضوع من معطيات وتقارير تقاطعت فيها خيوط الصفقات التجارية والأمنية ووصلت إلى قناعة تامة بأن قناة الجزيرة لم يسبق لها بتاتا أن فضحت هذه الازدواجية المفضوحة أو تطرقت بموضوعية وعدالة إلى طبيعة العلاقات القطرية الإسرائيلية المتشعبة في ميادين كثيرة ومتباينة. ولهذا فإنني عندما اخترت التطرق إلى هذا الموضوع الحساس جاء ذلك نظراً لأهميته القصوى ولوضع تحقيق شفاف يتسم بالحيادية التامة والجرأة المهنية المطلوبة لإنارة الرأي العام العربي والدولي وكشف المستور بعيداً عن التبريرات السطحية والتوجيه الإعلامي المضلل.
إن غايتي من وراء هذا المقال والتحليل الرصين ليست البتة التشويش على العلاقات أو السعي نحو تعكير صفوها بل إيصال رسالة واضحة ومبدئية مفادها أن ازدواجية المعايير لا مكان لها في العمل الدبلوماسي الحقيقي وأن هناك فرقاً شاسعاً بين النفاق السياسي والمواقف المسؤولة فمن غير المعقول أن يقف البعض وراء ميكروفونات منصات أجنبية ليكيلوا التصريحات والاتهامات ضد بلدهم المغرب ومؤسساته السيادية. إن ما أقدمه هنا ليس سوى محطة لإنارة الرأي العام وانطلاقاً من قناعتي الراغبة في إظهار الحقيقة المجردة والانتصار للحق وحده أدعو الجميع إلى التحلي بالشجاعة الأدبية والاعتراف بالحقائق بعيداً عن حسابات التزييف والتضليل.
هذا التناقض الفاضح بين السلوك العملياتي والخطاب التجييشي يضع النخب العربية والدبلوماسية أمام حقيقة ساطعة مفادها أن توظيف الإعلام الإقليمي لم يعد يسعى لإنارة الرأي العام بل تحول إلى أداة هندسة استراتيجية لتوجيه الوعي الجمعي وصرف الأنظار عن الاختراقات الكبرى والارتباطات السرية التي تديرها عواصم المال تحت غطاء الدبلوماسية الناعمة. وإن تفكيك هذه الخيوط المتشابكة يثبت أن الخطاب الشعبوي المتاجر بالقضايا الكبرى ليس سوى ستارة دخانية لتغطية تناقضات عميقة في السياسات الخارجية مما يفرض على صانع القرار العربي والمتابعين الرصينين قراءة الأحداث بمنظور نقدي يتجاوز بريق الشاشات ومسرحيات التبرير الإعلامي المكشوفة وصولاً إلى فضح كل أشكال الاستغلال السياسي والمتاجرة الإعلامية بمصير ومقدرات الشعوب.





