“محاكم التفتيش” تعود إلى إسبانيا.. أوراق الإقامة تفصل في سبتة بين من يُعامل كإنسان ومن يُترك للجوع والمرض
في سبتة الخاضعة للإحتلال الإسباني، والتي يعتبرها المغرب جزءا من ترابه، تكشف أزمة الهجرة الأخيرة وجها آخر لا يرتبط فقط بالحدود والسيادة والخلاف السياسي، بل بسؤال أكثر بساطة، وهو كيف تعاملت دولة أوروبية مع آلاف البشر الذين وجدوا أنفسهم فوق أراض تديرها، من دون مأوى كافٍ أو غذاء منتظم أو شروطٍ صحية تحفظ الحد الأدنى من الكرامة؟
الأرقام التي نشرتها جهات إسبانية نفسها ترسم صورة قاسية. فبعد دخول عشرات الآلاف إلى سبتة في 30 و31 يوليوز، ظل آلاف المهاجرين في الشوارع والأماكن المفتوحة، إلى درجة أن الحكومة لم تبدأ تركيب حمامات ومرافق للاستحمام في بعض نقاط تجمعهم إلا في 6 غشت، أي بعد أيام من الأزمة.
ورغم المساعدات التي وزعتها جمعيات وهيئات محلية، فإنها لم تكن كافية لتغطية حاجيات آلاف المهاجرين العالقين في سبتة، في وقت بدأت فيه الصحافة الإسبانية نفسها تتحدث عن “حرب جوع” داخل المدينة.
فذ هذا السياق،، تحولت مسألة الحصول على الطعام إلى واحدة من أبرز أوجه الأزمة، مع تسجيل مشاجرات حول الوجبات، وصعوبات في الولوج إلى المراحيض ومرافق النظافة، في ظل إقامة عدد من المهاجرين في ظروف شبيهة بالأكواخ والتجمعات العشوائية.
كما تحدثت شهادات عن رفض بعض المتاجر والسوبرماركت السماح للمهاجرين بالدخول أو البيع لهم، وإغلاق محلات أبوابها عند اقتراب مجموعات منهم، فضلا عن شكاوى من رفع الأسعار في بعض الحالات، ما ضاعف صعوبة الحصول على المواد الأساسية.
وفي هذا السياق، بدت آلاف الوجبات وحزم المساعدات التي جرى توزيعها مجرد استجابة جزئية أمام حجم الطلب، خصوصا مع استمرار وجود أعداد كبيرة من المهاجرين من دون موارد مالية أو إمكانية منتظمة لشراء الغذاء، وهو ما حول الطعام والماء والنظافة من خدمات أساسية إلى عناصر ضغط يومي داخل المدينة.
أما صحيا، فأعلنت وزيرة الصحة الإسبانية أن المصالح الطبية عالجت نحو 5800 مهاجر خلال 15 يوما، مع ضغط واضح على المستعجلات والطب الداخلي والرعاية الأولية; كما حذر متخصصون في علم الأوبئة من أن الاكتظاظ وضعف شروط النظافة يؤديان إلى ظهور أمراض جلدية مثل الجرب والقوباء، مؤكدين أن الخطر الصحي يقع أساسا على المهاجرين أنفسهم بسبب ظروف إقامتهم.
وإلى جانب الجوع والمرض، فتحت العدالة في سبتة تحقيقات بشأن اعتداءات جنسية طالت مهاجرين، وكانت مندوبية الحكومة قد أكدت التحقيق في ست حالات مشتبه بها، بينما أوضح القضاء لاحقا أن ثلاث قضايا وصلت إليه تتعلق باعتداءات جنسية كانت ضحاياها نساء مهاجرات.
هذه الوقائع تطرح إشكالا قانونيا مباشرا، فالقانون الأوروبي لا يجعل الكرامة الإنسانية امتيازا مرتبطا بوثيقة الإقامة، والمادة الثالثة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان تحظر المعاملة اللاإنسانية أو المهينة، بينما تلزم قواعد استقبال طالبي الحماية الدولية الدول بتوفير مستوى معيشي يضمن البقاء ويحمي الصحة الجسدية والنفسية، وحتى في ظروف الضغط الاستثنائي يجب ضمان الاحتياجات الأساسية.
وهنا تظهر المفارقة في تعامل الحكومة الإسبانية مع المهاجرين، فالشخص الذي يحمل وثيقة قانونية يدخل منظومة الحقوق والإجراءات بسرعة أكبر، بينما قد يجد من لا يحملها نفسه في الشارع، ينتظر الطعام أو مكانا للاستحمام أو فحصا طبيا مع العلم أن غياب الوثائق لا يلغي صفة الإنسان ولا يسقط الحقوق الأساسية.
وفي سبتة، تبدو المعاملة التي يتلقاها المهاجرون وكأنها تُخضعهم لـ”محاكم تفتيش” حديثة تقوم على الوثيقة بدل العقيدة، فمن يملك أوراق الإقامة أو صفة قانونية واضحة يدخل دائرة الاعتراف والحماية، ويصبح مؤهلا للعلاج والإيواء والمساعدة، بينما يُدفع من لا يملك الوثائق إلى هامش المدينة، حيث الجوع والمرض والحرمان من أبسط الخدمات، وكأنه شخص خارج دائرة الإنسانية يجب أن يغادر “الحديقة الأوروبية”.
وهذه الصورة تستحضر، المقارنة التاريخية، لمحاكم التفتيش الإسبانية التي ترسخت في أواخر القرن الخامس عشر بالتزامن مع سقوط غرناطة، حين جرى فرز الناس وفق العقيدة والانتماء، وتعرض المسلمون واليهود للتنصير القسري والملاحقة والسجن والطرد، قبل أن يمتد ذلك لاحقا إلى الموريسكيين.
واليوم، تتكرر الصورة بأشكال مختلفة، بعدما أصبحت الوثيقة القانونية، في الممارسة، فاصلا بين من يدخل فضاء الحقوق والحماية ومن يُدفع إلى هامشه، فصاحب الإقامة أو الوضع القانوني يجد أمامه مسارات للعلاج والإيواء والمساعدة، بينما قد يجد المهاجر غير النظامي نفسه في الشارع، يصارع للحصول على الطعام والماء والنظافة، وكأن فقدان الأوراق يعني فقدان جزء من الحق في المعاملة الإنسانية.
ويستحضر هذا الواقع الذي يعيشه المهاجرن في سبتة، العبارة المثيرة للجدل التي أطلقها سبق أن الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، جوزيب بوريل، سنة 2022 بأنها “حديقة”، حينما شبّه العالم الحارجي بـ؛الغابة” التي يمكن أن تغزو الحديقة، أي أوروبا، وهي استعارة أثارت آنذاك انتقادات واسعة لما تحمله من تقسيم رمزي بين أوروبا المتحضرة وما يوجد خارج أسوارها.
وفي سبتة، تبدو هذه الثنائية أكثر قسوة عندما يصبح من يحمل الوثيقة جزءا من “الحديقة”، بينما يُعامل من لا يحملها باعتباره جسدا ينبغي دفعه إلى خارجها.
ومن هنا تعود، في كثير من التعليقات والقراءات المنتقدة للسياسات الإسبانية تجاه المهاجرين، الإشارة إلى استمرار منطق “الرجل الأبيض”، أي النظر إلى القادم من الجنوب بوصفه أقل استحقاقا للحماية والكرامة، في إرث ذهني تغيرت أدواته ولغته، لكن منتقديه يرون أن بعض صوره ما تزال حاضرة في طريقة التعامل مع المهاجرين.
لكن في سبتة اليوم، يبقى الاختبار أكثر مباشرة، هو: هل تستطيع دولة تقدم نفسها جزءا من فضاء أوروبي قائم على الحقوق أن تضمن للمهاجر، حتى وهو بلا أوراق، الطعام والنظافة والعلاج والحماية من العنف؟ لأن القانون قد يقرر من يحق له البقاء، لكنه لا يقرر من يستحق أن يعامل كإنسان.
المصدر: الصحيفة





