“من بغي الغريب إلى بغي القريب”.. تشبهنا كثيرا “مأساة جساس”

 

 

 

 

 

الدكتور خالد حاجي
أستاذ بجامعة محمد الأول بالمغرب وشغل منصب الأمين العام للمجلس الأوروبي للعلماء المغاربة.

 

 

قد يستغرب القارئ وهو يقف أمام رواية وليد سيف “مأساة جساس” (ستصدر قريبا عن دار الأهلية للنشر والتوزيع )، يتساءل ما القيمة المضافة لرواية تعود بنا إلى حرب البسوس، إلى حدث تاريخي استنزف كلاما وسردا! ما عسى أن يقال عن كليب والمهلهل أكثر مما قيل؟

غير أن قراءة “مأساة جساس” تكشف لنا أبعادا خفية تصل هذا العمل بمشروع وليد سيف الأدبي والفني، كما تجلي لنا أسلوبا خاصا في السرد يميز هذا العمل عن أعمال رواة وأدباء آخرين.

في هذه الرواية، كما في سابقاتها، يستمتع وليد سيف بالحكي والسرد والرواية قبل أن يمتع القارئ. فـ”مأساة جساس”، في البداية والنهاية، إنجاز أدبي ممتع، كتب بلغة رائقة، ترتقي بالإبداع العربي إلى مصاف الإبداع العالمي المتميز.

الثابت في أعمال وليد سيف الأدبية هو أسلوبه السردي المتميز، هذا الأسلوب الذي يقوم على حس لغوي مرهف وعلى ملكة فريدة ومهارة تمكن من الانتقال السلس من رواية الواقعة والحدث التاريخيين إلى استخلاص شذرات ومأثورات من القول تستوقف الوعي وتحضه على التأمل الفكري المجرد.

من يقرأ “ملتقى البحرين”، “الشاعر والملك”، “النار والعنقاء”، “مأساة جساس”، أو غيرها من أعمال وليد سيف يجد فيها مادة مسفعة في الاستشكال الفلسفي، أي في صناعة الإشكاليات الفكرية، من منطلق التفاعل مع المعطيات التاريخية.

يصح أن نقول في هذه الأعمال ما يقوله الشاعر الألماني غوته عن الشعر الحقيقي، أي الشعر الذي يصدر عن فكر فلسفي عميق لكن دون أن يعلق به أي أثر للتفلسف. فأعمال وليد سيف من جنس هذا الشعر، مليئة بالإشكالات الفكرية الفلسفية، لكنها تصاغ صياغة أدبية شاعرية خالصة.

نقرأ في “مأساة جساس” عن المهلهل، أو الزير، وهو يتحدث مستخفا عن شؤون الحرب: “كما هزمناهم في خزار وهم كثرة، نهزمهم مرة أخرى وأخرى، حتى نطفئ نارهم ونقمع شرتهم إلى الأبد، ونأخذ من أرضهم وديارهم كما فعلوا بنا غير مرة. وأثبت السلم ما كان بعد كسر العدو كسرات تخمده حتى لا يبقى له رجاء في النصر، ولا صبر على عواقب الحرب. هذا مذهبي!”.

يخرجنا السرد من حديث عابر بين شخصين، إلى التفكر في “أثبت السلم”، أيكون بعد كسر العدو كسرا لا يبقى معه رجاء في النصر؟ أم إن هناك نوعا آخر من السلم يكون أثبت؟ يحسن وليد سيف التخلص من خصوصية الحدث التاريخي إلى عموم الفكرة الفلسفية المجردة. وبهذا يرقى بفنون السرد العربي إلى مستويات عالية. ولهذا يجد القارئ في أعماله ما يصله بزمانه ومكانه.

وفضلا عما تفتحه روايات وليد سيف من فضاء للتفكر في معاني الأشياء، مثل معاني النصر والهزيمة كما نرى في حال المهلهل، فإنها روايات تذهب بعيدا في استبطان النفس البشرية وسبر أغوارها. نجد في “مأساة جساس”، كما في باقي هذه الروايات، ما يشي بنزوع واضح نحو توصيف الحالات النفسية والشعورية التي تتحكم في الرعية والثائر والسلطان.

ويبرع وليد سيف في هذا التوصيف إلى درجة يشعر عندها القارئ وكأنه أمام علم نفس يعنى أساسا بإدراك ما يعتمل في عوالم السلطة والحكم من مشاعر وأحاسيس تحدد طبيعة البواعث والروادع وراء الفعل السياسي، كما يقف عند ما “تستجلبه السيادة والملك من ضغائن”.

يبرع الكاتب، بفضل أسلوبه السهل الممتنع وبفضل ملكته اللغوية الفذة، في التخلص من سرد الأحداث إلى الوقوف عند ما تتهامس به النفوس؛ نفوس العامة والنخبة على السواء. يقف القوم حيارى أمام كليب، فيتساءلون: “هل خرجنا من بغي الغريب إلى بغي القريب؟ ألم يكن الغريب ينازعنا بلادنا ويحكم فينا بإرادته؟ فهذا ملكنا كليب وائل قد جعل الحمى كله خاصته، وجعل سائرنا رعيته، لا نقيم في حماه إلا على أمره وشرطه وتفضله”.

ينطوي هذا الهمس على توصيف لحالة من الحيرة و التوجس النفسي من أن يفضي التخلص من العدو الخارجي إلى سطوة العدو الداخلي، أو من أن يفضي الخروج من بغي الغريب إلى بغي القريب.

في معرض شحذها لعزيمة قومها وحثهم على القتال، تقول جليلة أخت جساس وزوجة كليب: “فأين الأمان؟ إنما تفرون من خوف إلى خوف، فأين يتوقف ذلك ومتى ينتهي؟”. بهذا تجابه جليلة قومها وتجهر وسطهم بالحقيقة التي مفادها أن العاطفة المستحكمة فيهم هي الخوف، وأن الفرار من خوف إلى خوف لن يمنحهم الأمان.

تعلق بذهن القارئ عبارة “الفرار من خوف إلى خوف” فتتحول إلى عنوان يدل على حالة نفسية وحال يجثم على صدر الشعوب والأقوام والأمم في مرحلة من مراحل حياتها. فوليد سيف يحول فضاء الرواية إلى فضاء تأمل فيما يختصم داخل النفوس، أفرادا وجماعات.

بعد التخلص من الخوف وكسر طوق العدو، تخرج القبيلة من الشعور بالذل والهوان إلى مرحلة الانتشاء بالنصر والبطولة. وتفرز لنا هذه المرحلة شرعيتين، شرعية القوة العسكرية المتغلبة، كما تتجسد في كليب الذي حاز الملك واكتسب المهابة بقيادته للمعركة؛ وهي شرعية يرى صاحبها أن مطامح القبيلة الكبرى لا تتحقق إلا بملك قوي مستبد بالأمر والنهي، ويرى من يعيش تحت ظلها أن في هذا الاستبداد بالأمر والنهي نعمة مؤجلة.

وشرعية أخرى تستدعي المروءة وقيم القبيلة الموروثة كي تعارض الاستفراد بالسلطة، وهذه الشرعية تتجسد في جساس، الذي يرفض أن يبيع القوم حريتهم بوعود المستقبل المجهول، مفضلا الموت على الذل، والخباء المشرع للريح على “قصور التبابعة وملوك الحيرة وأطراف الشام”.

تتشابك مصائر الرعية والثائر والسلطان تشابكا عجيبا يبعث على الاعتقاد في إمكانية بلوغ أسباب السلم والاستقرار واستدامة العز والقوة. ويبدو للناظر المتأمل في شؤون القبيلة أن القائد الملك كليب والثائر المعارض جساس يشتركان في حب جليلة، حب الزوج لزوجته وحب الأخ لأخته، وأن هذا الحب قمين بأن ينهاهما عن التمادي في العداوة ويستحثهما على مسايسة بعضهما البعض حفظا للتوازن داخل القبيلة.

غير أن الكبرياء والأنفة وسطوة الفخر على النفوس انتصرت على عاطفة الحب، وهكذا آلت الأمور إلى العنف، بحيث قام جساس، في لحظة غضب، بقتل كليب، مستفتحا بذلك عهدا جديدا من المآسي.

أطلق جساس بفعلته شرارة حرب أتت على الأخضر واليابس، دون أن تبلغ المتحاربين أي نصر يذكر، حرب أنهكت العباد ويتمت الأولاد ورملت النساء وأثكلت الأمهات، حرب لا بطولة معها.

عند التأمل يجد جساس أن أمجاد البطولات والفروسية والمعارك ومدائح الشعراء وخلود الذكر في السير، كلها لا تساوي شيئا، بل “الكل يستوي في آخر الأمر تحت التراب: الشريف والوضيع، طالب الحق ومانعه.. الظالم والمظلوم.. القوي والضعيف.. وما ضر الأراذل إذا ذكروا بسوء وهم في جوف التراب، وما نفع الأشراف أن يمدحوا وقد قهرهم الموت وجافوا”.

فجساس يشعر بعبثية التفاخر بأيام العرب التي هي، على الحقيقة، “دعوات إلى الموت والفناء ومصارع الرجال ويتم الولد، بدعوى الحمية العمياء”.

عند الاحتضار، بعد أن نفذ رمح ابن أخته جليلة وكليب في بطنه أدنى صدره، قال بصوت مسموع: “لا.. لا يمسه أحد بسوء.. قد أدرك الثائر ثأره، أنا أول قاتل وآخر قتيل.. قد انتهت حرب البسوس.. الآن انتهت حرب البسوس..”.

بعد انجلاء غبار المعارك برزت حقائق الحرب الكبرى، الحرب التي أوقد نارها “أولئك الذين قتلهم مطالب السيادة والمجد والحق والاستئثار والمنافسة، والحمية الخداعة “، الحرب التي خلفت وراءها جروحا لا تندمل. بينما تطوي الأرض الهجرس، ولد كليب وجليلة، ويبتلع الموت في الصحراء المهلهل، أخا كليب، يكتب على جليلة البكاء وهي ترثي الزوج والأخ والولد، والواقع أنها أحق بالرثاء منهم جميعا. هكذا ينتهي الأمر بشخوص الحكاية إلى الموت والتيه.

تذكرنا “مأساة جساس” بـ”ملتقى البحرين”، الرواية التي تحكي قصة سلطان ومعلم وجارية. بينما تخرج قمر هاربة من قاتلي السلطان وهي تضم طفلها، وريث الملك، يسألها خادمها الوفي: “إلى أين المسير؟ “، فترد هي: “سنعرفه حين نبلغه”.

يكثف وليد سيف إحساس القارئ بأن التيه والموت في الخلاء خارج حدود القبيلة والمدينة يتربصان بأولئك الذين يتنافسون على السلطة والقوة. كل شيء في اللعبة السياسية ينتهي إلى مأساة.

ونتخلص من حديثنا عن “مأساة جساس” إلى القول بأن روايات وليد سيف تمثل أسلوبا في الحكي هو أقرب إلى فنون التراجيديا منه إلى فن آخر. كل شيء ينتهي إلى نفس المأساة، المأساة التي مصدرها العجز عن تجريد الفعل السياسي من النزعة نحو التفاخر بأمجاد الأجداد وبطولات الماضي.

إن “مأساة جساس” تفتح أمامنا حقلا للتأمل في علاقة العاطفة بالسياسة في التاريخ العربي، بل في واقعنا الكوني المعاصر. نحيل في هذا السياق إلى ما كتبه “دومينيك موازي” عن “جيوسياسة العواطف”.

ونختم بالوقوف عند نظرية بن خلدون في الحكم، حيث يصيغ دعوى مفادها أن العرب لم يبرعوا في فنون الحكم، وذلك لأنهم يجدون صعوبة من الناحية النفسية في الانقياد والانصياع إلى سلطة غيرهم. لذلك، فهم لا يحسنون الانقياد إلا إلى سلطة تستمد قوتها من قوة متعالية، قوة القائد الديني المجسدة لأخلاق متعالية.

إن “مأساة جساس” تدعونا للتأمل في واقعنا العربي الذي تمزقه حروب نفسية يذكيها التفاخر ببطولات وهمية والإحساس بأنفة لا مكان لها في فن السياسة.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...