عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا ومتابع للشأن السياسي
مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة، والبحث في الفكر والإسلام.
تشهد الساحة السياسية الأوروبية بين الحين والآخر مخاضات عميقة تكشف عن حجم التناقضات التي تعاني منها بعض التشكيلات الحزبية وتفضح طبيعة الاختبارات الحقيقية التي تواجه النخب السياسية ذات الأصول المهاجرة. وفي هذا السياق برزت مؤخراً استقالة النائبة البلجيكية من أصول مغربية رشيدة آيت العلوة من حزب العمال البلجيكي وتحولها إلى نائبة مستقلة لتشكل زلزالا تنظيميا وفكريا أعاد تسليط الضوء على إشكاليات كبرى تتعلق بازدواجية المواقف السياسية والانتقائية الفاضحة في التعاطي مع قضايا الشعوب والأوطان. هذا الحدث ليس مجرد تفصيل عابر في كواليس البرلمانات الغربية بل هو مرآة عاكسة لواقع مؤلم يعيشه المشهد السياسي حيث يختلط الحق بالباطل وتُوظف المبادئ النبيلة كأغطية لأجندات مظلمة.
إن المتأمل في الواقع السياسي اليوم يلحظ بوضوح تلك المفارقة الصارخة المتمثلة في الكيل بمكيالين من قبل بعض الدوائر الحزبية والمجموعات المحسوبة على الجاليات. فهؤلاء لا يترددون في النزول إلى الشوارع والتظاهر بحماس شديد ورفع الشعارات المدافعة عن القضايا الإنسانية الكبرى كالقضية الفلسطينية ومعاناة أهل غزة وهو تعبير إنساني نبيل في أصله ومستحق في جوهره. غير أن عين السخط والخذلان تصيب المنصف حين يرى ذات الأشخاص يقفون موقف المتفرج الأبكم بل والمحرض أحياناً عندما يتعرض الوطن الأم لمحاولات الاستهداف والمساس بوحدته الترابية. وحين تُنشر خريطة المغرب مبتورة من صحرائه أو تُحاك ضده الدوائر والتحالفات العدائية في الخفاء والعلن لا ترى لهؤلاء حركة ولا همسا ولا ركزا وكأن قضايا الأوطان وثوابتها لا تستحق حتى مجرد الالتفات.
هذا الصمت المريب والتغاضي الممنهج يكشف بجلاء عن خلل بنيوي خطير في منظومة القيم لدى أولئك الذين يتخذون من الشعارات الإنسانية مطية لتبييض مواقفهم أو لخدمة أجندات ضيقة تخدم أعداء الوحدة. وهنا يبرز بيت القصيد وجوهر المأساة السياسية حيث يقع الكثيرون في فخ الأحادية السياسية السطحية مانحين ثقتهم العمياء وصوتهم لأحزاب وشخصيات ترفع شعارات براقة بينما تضمر العداء أو تتخذ مواقف رمادية تجاه القضايا الاستراتيجية الكبرى للمغرب والمغاربة. فالسياسة الحقة ليست نافذة إنسانية واحدة تُطل بها الجهة السياسية على العالم متجاهلة باقي الجوانب بل هي منظومة متكاملة من المبادئ والبرامج التي لا تقبل التجزئة ولا التلفيق.
في خضم هذا المشهد المظلم بالانتقائية تأتي مواقف الأحرار لتضيء عتمة الخذلان وتكشف المعدن الصافي والنقي. إن خطوة النائبة رشيدة آيت العلوة بتقديم استقالتها بكل شجاعة دفاعاً عن قناعاتها ومواقفها المشرفة تجاه بلدها الأصلي وقضية الصحراء المغربية تقدم درساً بليغاً في النضال السياسي الرصين والأخلاق الوطنية العالية. لقد أثبتت هذه السياسية ببرهان قاطع أن الانتماء الحقيقي للوطن لا يُساوم وأن السياسي المبدئي لا يمكن بحال من الأحوال أن يقايض مبادئه أو يغمض عينيه عن قضايا وطنه السيادية مقابل امتيازات حزبية عابرة أو مكاسب تنظيمية زائلة. هذا الموقف المشرف يعري في المقابل أقنعة بعض الخونة والمرتزقة ممن يتمنون في سرهم وعلانيتهم تمزيق المغرب والنيل من وحدته ساعين باستمرار وراء نشر البهتان والأخبار الزائفة خدمة لأجندات معادية.
إن الوعي السياسي الحقيقي في هذا الظرف الدقيق يفرض على الجميع قاعدة لا تقبل الاستثناء وهي أن الاهتمام بقضايا الوطن والذود عن حوزته ليس مجرد خيار سياسي بل هو فريضة وطنية وأخلاقية ومن صميم الإيمان والانتماء. إننا لسنا مطالبين أبداً بالاختيار بين نصرة القضايا العادلة العابرة للحدود كالدفاح عن المظلومين في فلسطين وبين الدفاع عن ثوابتنا الوطنية فالتناقض بينهما وهم يروجه المغرضون. الوعي الناضج يؤكد أننا قادرون على أن نكون أصواتاً حرة تصدح بالحق وتنصر المظلومين بكل شجاعة وبسالة وفي نفس الوقت نبقى واقيين ويقظين تمام اليقظة لمصالحنا العليا واضعين الصحراء المغربية ووحدة الوطن فوق كل اعتبار لتبقى الجزائر والمغرب وأوروبا والعالم أجمع على علم بأن حب الوطن خط أحمر لا يقبل المساومة ولا التنازل تحت أي ذريعة.





