اتهامات بـ”بيع” التزكيات الانتخابية مقابل 160 مليون سنتيم.. مبالغات مدفوعة بالرغبة في الحصول على كرسي برلماني أم حزبٌ تاريخي تحول إلى “دكان سياسي”؟
دخل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية مرحلة جديدة من أزمته الداخلية، بعدما تحولت الخلافات المرتبطة بمسطرة اختيار مرشحات اللوائح الجهوية للانتخابات التشريعية المقبلة إلى مواجهة مفتوحة، إثر إثارة القيادية مريم جمال الإدريسي شبهة وجود المال في عملية منح التزكيات، قبل أن يرد المكتب السياسي للحزب باتهامها بالتنكر لقرارات لجنة البت والتشهير بمؤسسات الحزب، ملوحا باللجوء إلى القضاء.
وتعود بداية الخلاف إلى مراسلة وجهتها الإدريسي إلى الكاتب الأول للحزب إدريس لشكر، بتاريخ 20 غشت 2026، طالبت فيها بفتح تحقيق بشأن ما قالت إنها إفادات متداولة بين مرشحات تفيد بطلب تحديد مبالغ مالية سيجرى الالتزام بالمساهمة بها في الحملات الانتخابية، قبل اتخاذ قرار التزكية.
وأوضحت الإدريسي، وهي محامية، شأنها شأن لشكر، أن الحديث، بحسب ما بلغها، كان يدور حول مبالغ تراوحت بين 140 و160 مليون سنتيم، مع تأكيدها أنها لم تعاين بنفسها الوثائق التي تتضمن هذه الأرقام، وأنها تقدمها باعتبارها معطيات تحتاج إلى التحقق، لا باعتبارها وقائع ثابتة.
وتساءلت الإدريسي عن الطبيعة القانونية والتنظيمية لهذه المساهمات، وما إذا كانت مجرد مساهمات نضالية طوعية أم أنها أصبحت شرطا عمليا للحصول على التزكية، كما اعترضت على تحويل الالتزام المالي إلى ما يشبه المقابل السابق على قرار الترشيح.
وفي المقابل، رفض المكتب السياسي للحزب هذه الرواية، وصادق بالإجماع على قرارات لجان البت، معتبرا أن المسطرة المعتمدة لم تكن موضوع أي طعن منذ انطلاقها، وأن الإدريسي قبلت بها وخضعت لمقتضياتها قبل أن تعترض على نتائجها.
ولم يكتف الحزب برفض مضمون الانتقادات، بل صعد لهجته تجاه الإدريسي، متهما إياها بترويج ادعاءات باطلة تمس بمصداقية مؤسساته وبالتنكيل بأعضاء لجنة البت وتوجيه اتهامات خطيرة إلى الحزب، معلنا احتفاظه بحقه في متابعتها قضائيا بشأن ما صدر عنها وما قد يعتبره أفعالا مجرمة قانونا، وفق ما كشف عنه بشكل رسمي.
وفي السياق نفسه، أعلن المكتب السياسي قبول استقالة رجاء البقالي الطاهري وترتيب آثارها التنظيمية، كما سجل أن بعض ردود الفعل المرتبطة بمداولات لجنتي البت في جهتي الدار البيضاء – سطات وطنجة – تطوان – الحسيمة كانت معزولة ومخالفة لمبادئ الحزب وأنظمته.
وكانت البقالي الطاهري قد أعلنت استقالتها من الحزب بسبب توزيع التزكيات الخاصة بالانتخابات التشريعية المقبلة أيضا، متحدثة، في رسالة الاستقالة، عن “غياب الشفافية وعدم الكشف عن المعايير الفعلية المعتمدة في انتقاء المرشحين”.
أزمة تتجاوز خلافا تنظيميا
غير أن القضية، في جوهرها، تتجاوز حدود النزاع حول مسطرة داخلية أو خلاف بين مرشحة ولجنة حزبية، لأنها تضع الاتحاد الاشتراكي أمام سؤال أكثر عمقا يتعلق بصورة الحزب عن نفسه وعن الدور الذي يفترض أن يلعبه في الحياة السياسية المغربية.
فالحزب الذي ارتبط تاريخيا بالنضال من أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وقاد سنة 1998 أول حكومة تناوب في تاريخ المغرب برئاسة عبد الرحمن اليوسفي، يجد نفسه اليوم مضطرا للدفاع عن طريقة تدبير تزكياته في مواجهة حديث عن المال والقدرة على تمويل الحملات.
وتزداد حساسية هذا النقاش بالنظر إلى التحولات التي عرفها الحزب خلال السنوات الأخيرة، والتي يرى منتقدوه أنها أبعدته تدريجيا عن جزء مهم من إرثه السياسي والفكري.
ففي عهد إدريس لشكر، لم يعد الاتحاد الاشتراكي يقدم نفسه بالقوة نفسها باعتباره تعبيرا تنظيميا عن اليسار المغربي أو مدرسة سياسية لها امتدادات اجتماعية وفكرية واضحة، بل أصبح، في نظر خصومه وحتى بعض أبنائه، أكثر انشغالا بمنطق الانتخابات والمواقع والتموقع داخل المؤسسات.
ويظهر هذا التحول أيضا في طبيعة بعض الأسماء التي أصبحت تحظى بالتزكية، إذ باتت القدرة على استقطاب الأصوات والحضور الانتخابي معيارا حاسما في كثير من الحالات، بغض النظر عن المسار السياسي السابق للمرشح أو مدى انسجامه مع المرجعية التاريخية للحزب.
وأصبح الاتحاد، بحسب هذا المنظور، أكثر “انفتاحا” على ما يمكن وصفهم بالسياسيين “الرُّحل”، أي الأشخاص الذين ينتقلون بين الأحزاب بحثا عن الموقع الانتخابي الأنسب، بل وبين أحزاب تنتمي إلى مرجعيات سياسية وفكرية متعارضة جذريا مع اليسار، بما في ذلك تلك التي كان يصفها بـ”الأحزاب الإدارية”.
وقضية التزكيات داخل البيت الاتحادي، لا تتعلق فقط بمبالغ مالية قيل إنها طُلبت من مرشحات، وإنما تكشف، في حال صحت الانتقادات، عن تحول التزكية من تعبير عن الاختيار السياسي والتنظيمي إلى سلعة انتخابية محتملة، وهو ما يضرب في العمق فكرة الحزب الذي ظل يصارع منطق ترشيح “الأعيان” في السبعينات والثمانينات والتسعينات.
وبذلك يجد الاتحاد الاشتراكي نفسه مجددا أمام أزمة أخلاقية وسياسية لا يمكن اختزالها في خلاف شخصي أو في احتجاج على نتائج لجنة داخلية، فالمسألة الأعمق تتعلق بالمسافة التي قطعها الحزب عن صورته التاريخية منذ تجربة التناوب سنة 1998 وما تلاها من تحولات في قيادته، إلى أن ار يوصف الآن من طرف منتقديه بـ”الدكان السياسي”.
المصدر: الصحيفة





