بوصلة “الأعيان” تنتقل من الحمامة إلى الجرار قبل شهر على الانتخابات التشريعية.. كيف انتقل التجمع الوطني للأحرار من تشجيع “الترحال” إلى الشكوى منه؟

إيطاليا تلغراف متابعة

مع اقتراب الانتخابات التشريعية لسنة 2026، انتقلت المنافسة بين حزبي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة من مجرد تنافس انتخابي مبكر إلى سجال مفتوح حول حدود الاستقطاب السياسي، بعدما خرج حزب “الحمامة” ببلاغ سياسي شديد اللهجة يستنكر ما اعتبره عمليات استمالة طالت منتخبيه وبرلمانييه وقياداته، بالتوازي مع تسجيل صوتي منسوب إلى رشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب وعضو المكتب السياسي للحزب.

وتضمن التسجيل انتقادات مباشرة لظاهرة انتقال السياسيين والمنتخبين بين الأحزاب، وإشارات واضحة إلى الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، بعد التحاقه بحزب الأصالة والمعاصرة، وهو الخطاب الذي يدفع لاستحضار مفارقة يصعب تجاوزها، تتمثل في أن التجمع الوطني للأحرار نفسه كان، خلال الاستحقاقات السابقة، أحد أبرز المستفيدين من انتقال عدد من الوجوه والمنتخبين من أحزاب منافسة، ولا سيما من حزب الأصالة والمعاصرة، ما يفتح نقاشا حول “ازدواجية المعايير” في التعامل مع ظاهرة ظلّت تتكرر كلما اقترب موعد الانتخابات.

ففي التسجيل المنسوب إلى رئيس مجلس النواب خلال اجتماع المكتب السياسي للأحرار، اختار الطالبي العلمي لغة ساخرة وحادة في التعاطي مع ظاهرة الانتقالات الحزبية، حين قال إن حزبه “لن يقبل ترحيل قوانين الفيفا إلى العمل الحزبي”، في إشارة إلى منطق “الانتقالات” الذي يشبه، في تصوره، سوق اللاعبين بين الأندية، حيث لم يتوقف الأمر عند رفض الترحال في حد ذاته، بل امتد إلى انتقاد ما اعتبره استقطابا منظما للأسماء السياسية من خارج التنظيمات، قبل أن تتجه سهام حديثه، بصورة مباشرة نحو فوزي لقجع الذي التحق حديثا بحزب الأصالة والمعاصرة. 

وبالتوازي مع ذلك، جاء بلاغ المكتب السياسي للتجمعيين، ليؤكد أن عددا من برلمانيي الحزب ومنتخبيه وقياداته تعرضوا، بحسب روايته، لمحاولات استمالة وضغوط، معددا أسماء من بينها عبد الحي حرطون ومحمد الجماني وزينب السيمو وعثمان بادل ومنال بادل وبشرى الوردي وعبد الحفيظ المكوتي وعبد القادر الحضوري.

بيد أن الإشكال الذي يطرحه هذا الخطاب لا يتعلق فقط بمدى صحة الاتهامات المتبادلة بين الحزبين، وإنما أيضا بالذاكرة القريبة للممارسة الانتخابية، ففي سنة 2021، وقبيل الاستحقاقات التي انتهت بتصدر التجمع الوطني للأحرار للانتخابات التشريعية وقيادة الحكومة، شهد الحزب بدوره موجة استقطابات واسعة لمنتخبين وأعيان وفاعلين محليين كانوا ينتمون إلى تنظيمات سياسية أخرى.

وكانت جهة الشرق واحدة من أبرز الأمثلة على ذلك، حيث قاد هشام الصغير، القيادي السابق في حزب الأصالة والمعاصرة، عملية التحاق بعدد من رؤساء الجماعات والمنتخبين والأعيان ورجال الأعمال بحزب التجمع الوطني للأحرار، قادمين من أحزاب متعددة، من بينها الأصالة والمعاصرة والاتحاد الاشتراكي والاستقلال والاتحاد الدستوري.

ولم يكن هذا الاستقطاب مجرد انتقال فردي معزول، بل حمل في بعض المناطق طابعا جماعيا، بما جعل حزب “الحمامة” يعزز حضوره الانتخابي بأسماء كانت تمتلك رصيدا محليا وشبكات انتخابية جاهزة، ومن بين الأسماء التي ارتبطت بهذه التحولات مصطفى توتو، البرلماني السابق باسم حزب الأصالة والمعاصرة بمدينة جرادة، الذي التحق بالتجمع الوطني للأحرار، في سياق الخلافات التي كان يعرفها حزب “الجرار” آنذاك.

وخلال الفترة نفسها، شهد إقليم الناظور انتقال عدد من المنتخبين البارزين الذين كانوا محسوبين على الأصالة والمعاصرة إلى التجمع الوطني للأحرار، ومن بينهم عبد الحفيظ الجارودي وميمون أوسار، في واحدة من أبرز عمليات إعادة توزيع موازين القوى الانتخابية في المنطقة قبل انتخابات 2021.

هذه الوقائع تعيد اليوم طرح السؤال حول الفرق بين ما كان يوصف، عندما استفاد منه التجمع الوطني للأحرار، بـ”الانفتاح على الكفاءات” أو استقطاب الأعيان والطاقات القادرة على تعزيز الحضور الانتخابي، وبين ما يصفه الحزب حاليا بأنه “ممارسات مقلقة” و”استهداف” المنتخبين وخرق للأعراف السياسية.

والأمر نفسه ينطبق على حالة محمد شوكي، الرئيس الحالي للتجمع الوطني للأحرار، الذي استحضرها العربي المحارشي، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، في رده على انتقادات الأحرار في تصريحات صحفية سابقة، حيث ذكر بأن شوكي سبق أن كان من نشطاء شبيبة “البام” وخاض تجربة داخل هياكله، قبل أن يصبح لاحقا أحد أبرز وجوه التجمع الوطني للأحرار.

وذهب القيادي في الأصالة والمعاصرة إلى أبعد من ذلك حين قال إن عزيز أخنوش نفسه سبق أن أبدى، قبل انتخابات 2016، رغبةً في الالتحاق بحزب الأصالة والمعاصرة، قبل أن تتغير المسارات لاحقا ويتولى قيادة التجمع الوطني للأحرار، ثم يقوده إلى الفوز في انتخابات 2021.

وإذا كانت تصريحات المحارشي والطالبي العلمي تمثل الرواية السياسية لأحزاب متنافسة في خضم صراع انتخابي محتدم، فإنها تكشف في المقابل أن “الميركاتو السياسي” ليس ظاهرة برزت مع انتقال بعض الأسماء اليوم نحو الأصالة والمعاصرة، ولا هو ممارسة يمكن نسبتها إلى حزب واحد دون غيره، بل إن تاريخ الأحزاب المغربية خلال العقود الأخيرة يكشف أن الاستقطاب وإعادة التموضع والتنقل بين التنظيمات كانت حاضرة بدرجات متفاوتة، وأن معظم الأحزاب الكبيرة استفادت في مرحلة ما من انتقالات قادمة من منافسين، قبل أن تجد نفسها في مرحلة أخرى ضحية لانتقالات معاكسة.

هذه المعطيات أكدها أيضا بلاغ المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، اليوم الأربعاء، ردا على ما جاء في بلاغ حزب التجمع الوطني للأحرار، إذ أورد “البام” أنه لم يُبد أي انزعاج عندما قام “حزب التجمع الوطني للأحرار، “التجمع” خلال الانتخابات التشريعية الأخيرة لسنة 2021، بترشيح ما يفوق 17 برلمانيا منتمين سابقا إلى خمسة أحزاب سياسية، من بينهم ستة برلمانيين كانوا ينتمون إلى حزب “الجرار” نفسه.

ومن أكثر ما أثار الانتباه في التسجيل المتداول، إشارة الطالبي العلمي لـ”الدولة”، في سياق حديثه عن الانتخابات ودور الأطراف المؤثرة في اختيار الأشخاص والمرشحين، حيث إن هذا الخطاب ليس جديدا على الساحة السياسية المغربية، فقد سبق أن استعملته أحزاب مختلفة في محطات انتخابية سابقة، خاصة عندما كانت تتحدث عن تدخل الدولة أو وزارة الداخلية في توجيه العملية الانتخابية.

ففي استحقاقات 2021 ، سبق لحزب الأصالة والمعاصرة أن تحدث عن ضغوط مورست على بعض مناضليه من أجل الترشح باسم أحزاب أخرى، وهو نفس الأسلوب الذي نهجه حزب العدالة والتنمية بعدما وجه حينها اتهامات إلى وزارة الداخلية وبعض رجال السلطة، وتحدث عن تدخلهم في العملية الانتخابية لالح “البام” ودعم مرشحيه، في ظل الصراع القوي الذي كان قائماً آنذاك بين بين عبد الإله بنكيران وإلياس العماري.

والثابت هو أن حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة، برزا معا خلال زمن ما بعد دستور 2011 تحديدا، كأكثر حزبين استفادة من “ترحال” الوجوه الانتخابية، سواء في الاستحقاقات التشريعية أو الجماعية والجهوية، غير أن احتدام معركة الصدارة بينهما قبيل استحقاقات 2026 البرلمانية، خصوصا مع إعلان انضمام اقجع إلى حزب “الجرار”، حول الحزبين الحليفين اللذان حصلا تواليا على المركزين الأول والثاني قبل خمس سنوات، إلى خصمين مُعلنين.

المصدر: الصحيفة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...