بدأ وزراء المالية ومحافظو البنوك المركزية في دول مجموعة العشرين اجتماعاتهم، اليوم الاثنين، في مدينة آشفيل الأمريكية، وسط تحديات متزايدة تواجه الاقتصاد العالمي، تتصدرها تداعيات الحرب مع إيران وارتفاع أسعار الطاقة، وتصاعد الديون وتكاليف الاقتراض، إلى جانب التوترات التجارية التي أثارتها الرسوم الجمركية الأمريكية.
وقال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، في افتتاح الاجتماعات، إن بلاده تريد إعادة تركيز مجموعة العشرين على مهمتها الأساسية المتمثلة في تعزيز النمو الاقتصادي العالمي، والعمل على معالجة الاختلالات الاقتصادية والديون المتراكمة.
وأضاف بيسنت أن الاقتصاد العالمي لا يمكن أن يستند بصورة مستدامة إلى سياسات تضر بالدول الأخرى، وتعرقل المنافسة العادلة القائمة على آليات السوق.
وحدد الوزير الأمريكي في مستهل الاجتماع، مجموعة من العوائق التي يرى أن على دول العشرين معالجتها لتعزيز النمو، بينها الإفراط في القيود التنظيمية والإدارية، والسياسات الضعيفة لوضع الحوافز والأنظمة الضريبية، ونقص الاستثمارات العامة والخاصة، وتفكك الأسواق، إلى جانب فجوات مهارات القوى العاملة وقدرتها على التنقل.
وتأتي الاجتماعات في وقت يتوقع فيه صندوق النقد الدولي تباطؤ النمو العالمي وارتفاع التضخم في العام الجاري، بينما أدت حرب إيران واضطراب تدفقات النفط إلى ارتفاع تكاليف الطاقة وزيادة الضغوط على الاقتصاد العالمي، وفقا لصحيفة “نيويورك تايمز ” الأمريكية.
ضغوط الديون
ومن المنتظر أن يناقش وزراء مالية ومحافظو البنوك المركزية في مجموعة العشرين سبل تعزيز سلاسل الإمداد العالمية، ولا سيما الخاصة بالمعادن النادرة، وزيادة الاستثمارات الدولية، إلى جانب آليات خفض ديون الدول النامية أو إعادة هيكلتها.
وتكتسب قضية الديون أهمية متزايدة بعدما تجاوز الدين السيادي الأمريكي 40 تريليون دولار، بالتزامن مع ارتفاع عوائد السندات ومخاوف المستثمرين من استمرار صعود تكاليف الاقتراض.
وقالت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا إن تصاعد الضغوط المالية، الذي يظهر في ارتفاع عوائد السندات، إلى جانب تعثر مسار انخفاض التضخم، يمثلان مصدر قلق للأسواق وصناع السياسات.
وقال وزير الخزانة الأمريكي إن “العالم غارق في الديون منذ الأزمة المالية العالمية وبعد أزمة كوفيد-19، والطريقة الوحيدة للخروج من هذا المأزق هي تعزيز النمو”، في إشارة إلى الأزمة المالية العالمية التي وقعت بين عامي 2007 و2009.
وسجل الدين العالمي مستوى قياسيا يقترب من 353 تريليون دولار في وقت سابق من 2026، ما أثار مخاوف بشأن الاستقرار المالي، ودفع بعض المستثمرين إلى إعادة تقييم أصول تعد تقليديا ملاذا آمنا، بينها سندات الخزانة الأمريكية.
من جانبه، قال رئيس الاحتياطي الفدرالي (البنك المركزي) كيفين وارش إن الاقتصاد العالمي يمر بـ “طفرة استثمارية عالمية “، مشيرا إلى أن زيادة الاستثمارات بدأت تعكس اتجاه ما كان يعرف بفائض المدخرات العالمي، عندما كانت المدخرات تفوق فرص الاستثمار المتاحة.
ضغوط إيران
ويحتل تشديد الضغوط الاقتصادية على إيران موقعا بارزا في مباحثات مجموعة العشرين اليوم وغدا، إذ تسعى واشنطن للحصول على دعم دولي لمبادرتها المعروفة باسم “عملية المنبوذ الاقتصادي ” أو يوم الإنزال الاقتصادي، والذي تستهدف زيادة عزلة طهران المالية والتجارية.
وقال بيسنت إن الاتحاد الأوروبي قدم دعما واسعا لجهود العقوبات الأمريكية، بينما أعلن الاتحاد، الأحد، ترحيبه بزيادة الضغط الاقتصادي على إيران واستعداده للعمل مع الولايات المتحدة وشركاء آخرين.
وأكد وزير الخزانة أن بلاده تستعد لفرض عقوبات على بنك إضافي ضمن حملتها، بعدما اتخذت في وقت سابق من أغسطس/آب إجراءات لتقييد عمليات بنك مصر في الإمارات.
وعندما سُئل بيسنت، اليوم الاثنين، عن المدة التي قد يحتاجها الاقتصاد الإيراني للانهيار، قال إنه قد يكون ذلك في غضون أسابيع أو أشهر، مضيفا أن الهدف ليس بالضرورة انهيار الاقتصاد، وإنما دفع القيادة الإيرانية إلى تغيير موقفها.
وتواجه واشنطن تحديا رئيسيا بشأن الصين، أكبر مشتر للنفط الإيراني، إذ قال وزير الخزانة الأمريكي إن “جميع الخيارات مطروحة ” فيما يتعلق بإمكانية فرض عقوبات على بكين بسبب استمرار مشترياتها.
وحذر المؤرخ المتخصص في العقوبات نيكولاس مولدر من أن استهداف مؤسسة مالية صينية كبرى قد يؤدي إلى اضطرابات واسعة ورد انتقامي من بكين، كما أن تعطيل تدفقات النفط العالمية عبر العقوبات الثانوية قد يزيد التضخم، ويدفع الاحتياطي الفدرالي إلى رفع أسعار الفائدة.
خلافات تجارية
وتنعقد اجتماعات اليوم والغد كذلك في ظل توترات تجارية بين الولايات المتحدة وعدد من شركائها، بعد الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة الرئيس دونالد ترمب على عدد من الدول، إلى جانب تصاعد الخلاف بين كندا والولايات المتحدة عقب انهيار المفاوضات بين البلدين، ورفع الرسوم المتبادلة بينهما.
وقال وزير المالية الفرنسي رولان ليسكور إنه يأمل في توصل دول العشرين إلى موقف مشترك بشأن مسار دعم النمو الاقتصادي العالمي، واصفا المشهد الاقتصادي بأنه “غير قابل للتنبؤ وضبابي “.
وحذر دانيال فريد، مساعد وزير الخارجية الأمريكي الأسبق للشؤون الأوروبية من أن البلاد قد تجد صعوبة في حشد حلفائها التقليديين، معتبرا أن الحصول على دعم دولي سيتطلب تشاورا أكبر مع الشركاء.
عودة روسيا
وشهد الاجتماع أيضا حضورا لافتا لوزير المالية الروسي أنطون سيلوانوف، في أول مشاركة له في اجتماعات المجموعة منذ اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا عام 2022، وهي الخطوة التي أثارت اعتراضات من مسؤولين أوروبيين.
وقال لارس كلينغبايل نائب المستشار ووزير المالية الألماني إنه اعترض خلال الاجتماع على مشاركة سيلوانوف، وطالب موسكو بإنهاء الحرب على أوكرانيا، مؤكدا استمرار دعم بلاده لأوكرانيا.
كما طالب ممثلو الدول الأوروبية بعدم إشراك الوزير الروسي في الصورة الجماعية التقليدية للاجتماع، مهددين بمقاطعتها في حال مشاركته، والتُقطت الصورة في نهاية المطاف من دونه، بحسب صحيفة “نيويورك تايمز “.
وتعكس الخلافات المحيطة بالاجتماع صعوبة التوصل إلى توافق داخل مجموعة العشرين، في وقت تواجه فيه الاقتصادات الكبرى مزيجا من تباطؤ النمو، وارتفاع تكاليف الطاقة والديون والتضخم، إلى جانب اتساع الخلافات التجارية والجيوسياسية.
المصدر: الجزيرة






