يساريو المغرب يتجاوزون الاتحاد الاشتراكي نحو أحزاب أخرى ولشكر منغمس في مطاردة المقاعد بينما يُسحب البساط من تحت قدميه.. هل أصبحت “الوردة” ذابلة؟

إيطاليا تلغراف متابعة

يجد حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية نفسه، مع انطلاق الحملة الانتخابية للاستحقاقات التشريعية المقررة في 23 شتنبر الجاري، أمام واحدة من أكثر المحطات حساسية في مساره السياسي والتنظيمي، ليس فقط بسبب رهاناته الانتخابية، وإنما أيضا بسبب الحصيلة التي أفرزتها مرحلة الإعداد لهذه الانتخابات.

فقبل هذه المحطة، شهد الحزب سلسلة من الاستقالات والمغادرات والانتقالات السياسية لعدد من القيادات والأطر والوجوه الاتحادية، في وقت اختارت فيه أسماء ذات خلفية يسارية التوجه نحو أحزاب سياسية أخرى، بما يعكس تراجعا لافتا في قدرة “الوردة”على الاحتفاظ بموقعها في صدارة اليسار المغربي، واستقطاب أسماء وازنة من داخل محيطها السياسي والتاريخي.

ورغم أن قيادة الحزب تقدم لائحة مرشحيها باعتبارها “تجسيدا للتجديد والانفتاح على الكفاءات”، فإن قراءة الأسماء التي جرى تقديمها، بالتوازي مع أسماء اتحادية بارزة غادرت الحزب أو اختارت خوض الاستحقاقات المقبلة تحت ألوان تنظيمات أخرى، ترسم صورة أكثر تعقيدا، فالاتحاد الاشتراكي الذي كان، لعقود، أحد أهم العناوين السياسية لليسار المغربي، يبدو اليوم أقل قدرة على الاحتفاظ ببعض الأسماء التي راكمت داخله تجربة تنظيمية ونضالية، بينما يتجه جزء من الوجوه اليسارية إلى البحث عن فضاءات سياسية أخرى، سواء داخل تحالف اليسار الجديد أو في أحزاب منافسة.

وتبرز حالة عبد الهادي خيرات باعتبارها من أكثر الأمثلة دلالة على هذا التحول، حيث إن القيادي الاتحادي التاريخي، وأحد أبرز الأسماء التي ارتبطت بذاكرة الحزب وشبيبته وإعلامه، اختار خلال فبراير الماضي الالتحاق بحزب التقدم والاشتراكية، بعد قطيعة طويلة مع الاتحاد الاشتراكي ووصول علاقته بالكاتب الأول، إدريس لشكر، إلى مرحلة “اللاعودة”. 

وقال خيرات في تصريح للقناة الأولى حينها، إن التحاقه بحزب “الكتاب” جاء بعد لقاءات ومشاورات سياسية، وإنه أصبح مقتنعا بعدم إمكانية الاستمرار داخل الاتحاد الاشتراكي، في إشارة إلى عمق القطيعة التي طبعت علاقته بالحزب خلال السنوات الماضية.

ولا تقف مؤشرات النزيف عند الرموز التاريخية، إذ شهدت الأسابيع الأخيرة، سلسلة من الاستقالات المرتبطة، بدرجات مختلفة، بطريقة تدبير التزكيات واللوائح الانتخابية، فقد قبل المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي استقالة رجاء البقالي الطاهري، وأعلن تخلي مريم جمال الإدريسي عن انتمائها للحزب، في سياق الجدل الذي رافق نتائج مسطرة اختيار وكيلات اللوائح الجهوية.

وفي الوقت الذي يؤكد فيه الحزب أن المسطرة تمت وفق نظامه الأساسي وقانونه الداخلي وأن المكتب السياسي صادق بالإجماع على نتائج لجان البت، قدمت المعنيتان بالأمر قراءات مختلفة لطريقة تنزيل تلك القواعد والمعايير.

وتعمقت الصورة أكثر مع استقالة سلوى الدمناتي، العضو السابق بالمكتب السياسي والبرلمانية الحالية والعضو السابق في الكتابة الوطنية للنساء الاتحاديات، التي أعلنت في 31 غشت الماضي مغادرتها الحزب وهياكله التنظيمية، بعد انتقادات وجهتها إلى منهجية التدبير والاختيارات التنظيمية والسياسية.

وفي السياق ذاته، برزت مغادرة عمار حمزة، الكاتب الإقليمي السابق للاتحاد الاشتراكي بوزان، إلى حزب الأصالة والمعاصرة، مرفوقا بعدد من الأطر والاتحاديين، في خطوة جرى الإعلان عنها رسميا أواخر غشت، حيث تكتسب هذه المغادرة دلالتها من الموقع التنظيمي الذي كان يشغله حمزة داخل حزب الوردة، ومن كونها وقعت في لحظة تستعد فيها الأحزاب لإعادة تشكيل قواعدها المحلية استعدادا للاستحقاقات الانتخابية.

ولا تُحتزل المشكلة بالنسبة للاتحاد الاشتراكي في مجرد فقدان بعض الأسماء، وإنما تتعلق بسؤال أعمق حول موقع الحزب داخل خريطة اليسار المغربي نفسه، فالمفارقة اللافتة في انتخابات 2026 تتمثل في أن جزءا من النقاش حول مستقبل اليسار لم يعد يدور حول قدرة الاتحاد الاشتراكي على قيادة هذا التيار، وإنما حول إمكانية بروز مراكز جذب جديدة تنافسه على الكفاءات والوجوه ذات الخلفية اليسارية.

وفي هذا السياق، جاء تأسيس “تحالف اليسار” بين الحزب الاشتراكي الموحد وفيدرالية اليسار الديمقراطي في الثالث من يونيو الماضي، ليقدم إطارا سياسيا جديدا يعلن صراحة رغبته في توحيد جزء من الشتات اليساري وخوض الانتخابات التشريعية بمشروع سياسي مشترك، حيث أكد الطرفان أن الأمر لا يتعلق بمجرد تنسيق انتخابي ظرفي، بل بتحالف سياسي يروم بناء بديل ديمقراطي وتقدمي وتجاوز حالة التشتت التي طبعت اليسار خلال السنوات الماضية.

وعلى الجهة الأخرى، فشل الاتحاد الاشتراكي في إيصال “مشروع” تحالفه مع حزب التقدم والاشتراكية، المُعلن عنه سنة 2023، إلى مُنتهاه، بعدما توقفت العملية سريعا، على الرغم من أن الأرضية التاريخية المشتركة بين الاثنين أكثر صلابة، على اعتبار أنهما معا من أحزاب “الكتلة” الديمقراطية، وحصلا معا خلال انتخابات 2021 على ما مجموعه 56 مقعدا، منها 34 للاتحاديين و22 لرفاق نبيل بن عبد الله.

والآن، تطرح لائحة الاتحاد الاشتراكي نفسها بطريقة مختلفة، فعلى الرغم من اتساعها جغرافيا وشمولها عددا كبيرا من الدوائر، فإن الأسماء التي تحظى بقدرة أكبر على استقطاب الانتباه الوطني تبدو محدودة نسبيا، وفي مقدمتها عبد الكريم بنعتيق، الوزير السابق والوجه المعروف داخل الحزب، والحسن لشكر، وكيل لائحة الحزب بدائرة الرباط شالة، والذي برز لسبب رئيسي، هو أنه نجل الكاتب الأول.

ويزداد النقاش حول طبيعة هذه اللائحة حدة بالنظر إلى أن الاتحاد الاشتراكي نفسه اعتمد، في عدد من الجهات، على استقطاب أسماء ذات مسارات سياسية سابقة خارج الحزب، ففي جهة مراكش آسفي، مثلا، نجد أن عددا من الأسماء التي جرى تقديمها سبق لها الانتماء إلى أحزاب أخرى قبل الالتحاق بالاتحاد الاشتراكي، في ما يوصف باستراتيجية استقطاب “الرحل” السياسيين، ومن بين الأسماء التي برزت في هذه الخريطة أحمد التومي وحميد العكرود وعبد الصمد أكضاش وعبد الغني كامل.

وتكشف هذه المفارقة عن سؤال سياسي لافت وهو، هل أصبح الاتحاد الاشتراكي، الذي كان تاريخيا مدرسة لتكوين المناضلين والأطر، يعتمد أكثر فأكثر على استقطاب أسماء جاهزة من خارج بنيته التنظيمية، في الوقت الذي يغادر فيه بعض أبنائه وقياداته نحو أحزاب أخرى؟.

وإذا كان إدريس لشكر يؤكد أن 77 في المائة من وكلاء اللوائح المحلية يمثلون وجوها جديدة، وأن الحزب يراهن على التشبيب والنساء والكفاءات، فإن هذا الخطاب يواجه في المقابل بجدل حول معنى التجديد الذي لم يعد نابعا من داخل المدرسة الاتحادية وإنما تعويضا لنقص تنظيمي.

ويواجه لشكر انتقادات حادة مفادها أنه يُبعد “الاتحاديين” الفعليين لصالح الوجوه الانتخابية سعيا وراء المقاعد البرلمانية، عود التركيز على إعادة بناء الحزب، على غرار ما جرى سنة 2021 مع الكاتب الإقليمي السابق للاتحاد الاشتراكي بعمالة طنجة – أصيلة، أحمد يحيا، بعدما عارض الأخير تجاوز الكاتب الأول للتنظيمات المحلية في اختيار المرشحين، فما كان من لشكر إلا أن حل الكتابة الإقليمية لأكملها، ليدخل الاثنان في صراع قضائي.

وتبدو هذه النقطة مركزية لفهم التحول الذي طرأ على حزب الوردة، فالاتحاد الاشتراكي لم يعد يمتلك، بالزخم نفسه، ذلك الخزان الواسع من القيادات والنشطاء الذين كانوا يشكلون امتداده التنظيمي والنقابي والفكري، كما أن جزءا من الوجوه التي ارتبطت تاريخيا بالخط الاتحادي أصبح خارج الحزب أو بعيدا عن مراكز القرار فيه، بالإضافة إلى أن الانتماء إلى الاتحاد الاشتراكي لم يعد يبدو بالنسبة إلى عدد من الوجوه اليسارية الجديدة خيارا بديهيا، بعدما ظهرت إطارات أخرى تقدم نفسها باعتبارها فضاء لإعادة بناء اليسار على أسس أكثر وحدوية.

المصدر: الصحيفة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...