في أقل من أسبوع، فرضت قضيتا سبتة وجبل طارق طرحَ أسئلة “مُحرجة” على الطبقة السياسية الإسبانية، خصوصا اليمين واليمين المتطرف، اللذان أبانا عن تعامل مختلف بين مدينة متنازع عليها مع المغرب، وشبه جزيرة تفرض بريطانيا سيادتها عليها.
ففي مدريد، صعّد زعيم الحزب الشعبي ألبرتو نونييث فييخو لهجته بشأن سبتة، محاصرا بيدرو سانشيز بالأسئلة عن اتصالاته مع المغرب، وعن آخر مرة تحدث فيها مباشرة مع السلطات المغربية، وما إذا كان قد ناقش الأزمة مع الملك محمد السادس.
وقبل ذلك بستة أيام فقط، كانت رسائل السيادة تأتي هذه المرة من الضفة الأخرى، ففي احتفالات اليوم الوطني لجبل طارق، أكد رئيس الحكومة المحلية فابيان بيكاردو أن الاتفاق الجديد مع الاتحاد الأوروبي لم يتضمن أي تنازل عن السيادة، وأن الصخرة ستظل بريطانية، فيما جددت لندن التزامها بالسيادة البريطانية وحق سكان جبل طارق في تقرير مستقبلهم.
وبين حدة الخطاب الشعبي تجاه المغرب بشأن سبتة، والرسائل البريطانية الصريحة بشأن جبل طارق، تبرز مفارقة في طريقة حضور ملفي السيادة داخل النقاش السياسي الإسباني.
سبتة.. تصعيد يتجاوز مهاجمة سانشيز
ولم يبدأ تصعيد الحزب الشعبي بشأن سبتة مع المواجهة الأخيرة في البرلمان، بل تحول الملف خلال الأسابيع الماضية إلى أحد محاور هجومه على حكومة سانشيز وعلاقتها بالمغرب، وذلك في خضم حملة انتخابية سابقة لأوانها تتعلق بانتخابات 2027 التي يأمل أن تقوده لرئاسة الحكومة.
ففييخو طالب باستدعاء السفيرة المغربية في مدريد، واستدعاء السفير الإسباني في الرباط للتشاور، معتبرا أن الأزمة تمس الأمن والوحدة الترابية لإسبانيا، ثم رفع سقف خطابه لاحقًا، معلنًا أنه في حال توفر معلومات عن محاولة عبور مماثلة مستقبلًا، سيعزز الحدود بالقوات المسلحة.
وامتد التصعيد إلى المستوى الأوروبي، إذ دعا زعيم الحزب الشعبي الاتحاد الأوروبي إلى حماية حدود سبتة باعتبارها جزءًا من الحدود الخارجية للتكتل، مواصلًا تحميل المغرب، بـ”الفعل أو الامتناع”، مسؤولية ما حدث في نهاية يوليوز.
جبل طارق.. اعتراض ناعم
وعلى خلاف ما قد يوحي به اختلاف حدة الخطاب، لم يغب جبل طارق تماما عن تحركات الحزب الشعبي، إذ نقل ستة من نوابه الأوروبيين اعتراضهم إلى بروكسل قبل يومين فقط من احتفالات العيد الوطني للصخرة، علما أن المملكة المتحدة حاليا خارج الاتحاد الأوروبي.
ففي الثامن من شتنبر، قدم النواب تعديلا يطالب البرلمان الأوروبي برفض منح موافقته على الاتفاق المبرم بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة بشأن جبل طارق، في خطوة تستهدف أحد الشروط اللازمة لاستكمال المصادقة الأوروبية على الاتفاق.
غير أن هذا التحرك جاء في وقت كانت فيه لندن وجبل طارق تجددان، بعبارات مباشرة، تمسكهما بالسيادة البريطانية، ففي احتفالات العاشر من شتنبر، أكد فابيان بيكاردو، رئيس وزراء الإقليم، أن الاتفاق لم يتضمن أي تنازل عن السيادة، فيما جدد رئيس الوزراء البريطاني، آندي بيرنهام، التزام حكومته بالسيادة البريطانية ومبدأ تقرير المصير.
وهنا يظهر الاختلاف مع سبتة، فبينما يتركز تحرك الحزب الشعبي بشأن جبل طارق على مواجهة الاتفاق داخل المؤسسات الأوروبية، أخذ خطابه بشأن سبتة طابعًا أكثر مباشرة في الدفاع عن السيادة والوحدة الترابية ومواجهة المغرب سياسيا ودبلوماسيا.
مدافع عن “السيادة” هنا.. ومطالب بها هناك
وتتجاوز المفارقة اختلاف حدة خطاب الحزب الشعبي في الملفين، إلى الموقع الذي تحتله إسبانيا نفسها في كل منهما، على اعتبار أن الأساس الجغرافي للملفين متشابه، لكن مدريد تتعامل معه بمعيارين مختلفين.
ففي سبتة، يتمسك الحزب الشعبي بـ”السيادة الإسبانية” ويربط أي تهديد للمدينة بالوحدة الترابية للبلاد، وهي الحجة التي استند إليها فييخو حين لوح بالاستعانة بالقوات المسلحة إذا تكرر سيناريو العبور الجماعي.
أما في جبل طارق، فتقف إسبانيا في موقع المطالب بالسيادة، إذ لا تزال مدريد تعتبر الصخرة إقليما في انتظار تصفية الاستعمار، وتؤكد أن الاتفاق الجديد مع المملكة المتحدة لم يمس مطالبتها باستعادة السيادة عليها.
وفي المقابل، تتمسك لندن وحكومة جبل طارق بموقف مغاير، يقوم على بقاء الصخرة تحت السيادة البريطانية وربط أي تغيير في وضعها بإرادة سكانها، وهي المواقف التي أعادت احتفالات العاشر من شتنبر إبرازها بوضوح.
وشهد جبل طارق آخر استفتاء مباشر حول مستقبله السياسي والسيادة عليه في 7 نونبر 2002، حين صوّت السكان على مقترح تقاسم السيادة بين بريطانيا وإسبانيا، فرفضه 98,9 في المائة من المشاركين، مقابل تأييد 1,1 في المائة، بنسبة مشاركة بلغت 87,9 في المائة.
يعود أول استفتاء حول وضع جبل طارق إلى 10 شتنبر 1967، عندما صوَّت 12.138 شخصا لصالح استمرار الارتباط ببريطانيا، مقابل 44 صوتا فقط لصالح الانتقال إلى السيادة الإسبانية، وهو ما لم يحصل في سبتة أو مليلية.
اتفاق تاريخي يؤجل السؤال الأصعب
وإذا كان الاتفاق الجديد قد نجح في تجاوز جزء من الخلافات العملية بين إسبانيا وجبل طارق، فإنه تعمد ترك السؤال الأكثر حساسية خارج التسوية: لمن تعود السيادة على الصخرة؟.
فالنص الذي بدأ تطبيقه في 15 يوليوز يحافظ صراحة على المواقف القانونية المتعارضة للطرفين، بما يسمح بالتعاون وتسهيل حركة الأشخاص دون أن يعني ذلك اعتراف أي منهما بموقف الآخر بشأن السيادة.
ولهذا تحتفي مدريد بالاتفاق دون التخلي عن مطالبتها بجبل طارق، فيما تحتفي به حكومة الصخرة من المنظور المقابل تمامًا، باعتباره اتفاقًا لم يقدم لإسبانيا أي تنازل سيادي.
وبذلك، غير الاتفاق طريقة إدارة الخلاف، لكنه لم ينه الخلاف نفسه، وهو وضع لا تعرف تعرف مدريد إلى الآن كيف تديره دون أن تجد ملف سبتة ومليلية والجزر المتوسطية التي تطالب بها المغرب، ماثلا أمامها.
المصدر: الصحيفة





