* الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه
من الأمثال الشعبيّة المغربيّة عبارة: «وَقّف البيضة فـ الطّاس».
ليس المقصود هنا نادي الاتحاد البيضاوي الرياضي (TAS)، وإن كانت المفارقة اللغوية تسمح لنا بفتح نافذة أخرى على الدلالة؛ فـ (TAS)، في سياق آخر تمامًا، هو اختصار Tribunal Arbitral du Sport، أي محكمة التحكيم الرياضي، المؤسسة الدولية المتخصصة في الفصل في النزاعات الرياضية ذات الطابع القانوني والتحكيمي.
وهنا تبدأ الحكاية من مجرد تلاعبٍ ظاهري بين «الطاس» الشعبي و«TAS» القانوني، لتنتهي إلى معنى أعمق: أن لكل نزاعٍ طاسَه الذي تُوضع فيه البيضة في موضعها، ويصبح فيه الحسم ممكنًا.
فالأمثال الشعبيّة ليست بقايا لغوية تتسلّى بها الذاكرة الجماعية، ولا مجرد عبارات متوارثة للاستهلاك اليومي؛ إنها، في عمقها البنيوي، أرشيفٌ مضغوط للعقل العملي والاستراتيجي للمجتمعات. تختزن خبرة أجيال في كلمات قليلة، وتحوّل التجربة الاجتماعية الطويلة إلى قاعدة قابلة للتداول.
– «وَقّف البيضة فـ الطّاس»… حين تصبح الحكمة فلسفةً في القيادة:
في المخيال الشعبي المغربي، يُقال عن الشخص إنه «وَقّف البيضة فـ الطّاس» عندما يُحكم الأمر، ويقيم الحجة، ويضع الأشياء في مواضعها الصحيحة، بحيث لا يترك مجالًا كبيرًا للالتباس أو المراوغة أو الجدل.
إنها عبارة تختزل معنى الإتقان وحسن التدبير والقدرة على الوصول إلى نتيجة حاسمة؛ نتيجة لا تحتاج إلى كثرة الكلام، لأنها تستمد قوتها من إحكام الوضع ذاته.
ومن هنا، فإن المثل يتجاوز معنى البراعة العملية إلى معنى أكثر عمقًا يتصل بجوهر القيادة.
فالقيادة (Leadership) ليست امتلاك أجوبة جاهزة لكل سؤال، وليست القدرة على إصدار الأوامر فحسب؛ بل هي، قبل ذلك، القدرة على اكتشاف شروط الحل قبل أن يظهر الحل نفسه، ورؤية العلاقات الخفية بين العناصر المتفرقة داخل المنظومة، ثم إعادة ترتيبها بحيث يصبح الوصول إلى النتيجة أقرب إلى الضرورة منه إلى المصادفة.
القائد الحقيقي لا يكتفي بتحريك القطع على الرقعة؛ بل يعرف كيف يعيد تشكيل الرقعة نفسها. وهنا تحديدًا تكمن فلسفة «البيضة» و«الطاس».
فالبيضة، بطبيعتها الهندسية، تبدو غير قابلة للاستقرار فوق سطح أملس من دون نقطة ارتكاز أو تهيئة مناسبة. ومن ثم فإن وضعها في حالة توازن ليس مجرد استعراض للمهارة؛ بل هو اكتشافٌ لموضع الاستقرار داخل منظومة تبدو، للوهلة الأولى، عصية على الضبط.
وتحضر في الذاكرة الشعبية صورة ذلك القائد البحري الذي أراد أن يثبت البيضة في الطاس، فاستعان بحفنة من الرمل، ثم وضع بيضة أخرى فوقها عموديًا، واستعمل خاتمه كعنصر إضافي لتحقيق التوازن.
وسواء نظرنا إلى الحكاية بوصفها واقعة تاريخية أم بوصفها صورةً رمزية متداولة، فإن مغزاها يظل واحدًا: حين يبدو الشيء مستحيل التثبيت، لا يعني ذلك بالضرورة أنه مستحيل الحل؛ فقد تكون المشكلة في غياب نقطة الارتكاز، لا في استحالة التوازن.
– من الدبلوماسية إلى القانون… ومن القوة إلى الشرعية:
وعلى بلدنا أن يستحضر، في تدبير القضايا الاستراتيجية، حكمة «وَقّف البيضة فـ الطّاس» بمعناها الأعمق: أي أن يعرف متى يتفاوض، ومتى يتحرك سياسيًا، ومتى يستعمل أدوات القانون والمؤسسات الدولية.
ففي العلاقات الدولية، لا تُدار النزاعات بأداة واحدة. هناك القوة الناعمة، والقوة الاقتصادية، والدبلوماسية، والقوة القانونية والمؤسساتية، فضلًا عن أدوات الردع والقوة الصلبة.
والذكاء الاستراتيجي لا يكمن في استعمال أقصى درجات القوة دائمًا، وإنما في اختيار الأداة التي تحقق الهدف بأعلى قدر من الفاعلية وأقل قدر ممكن من الكلفة.
ومن الخطأ اختزال اللجوء إلى القانون والتحكيم في كونه خروجًا عن الدبلوماسية.
على العكس؛ ففي كثير من الحالات، يمثل التحكيم والتقاضي الدولي امتدادًا للصراع بالوسائل السلمية والمؤسسية عندما تصل المفاوضات إلى حدودها، أو عندما يصبح الخلاف بحاجة إلى جهة مستقلة للفصل فيه وفق قواعد قانونية محددة.
وهنا تعود مفارقة (TAS) لتكتسب معناها. فالطاس الشعبي هو الوعاء الذي تستقر فيه البيضة.
أمّا (TAS) القانوني، فيمكن أن يصبح، على المستوى الاستعاري، الوعاء المؤسسي الذي تُوضع فيه الحجة والوثيقة والحق والاختصاص، حتى يصبح النزاع قابلًا للحسم وفق قواعد محددة.
وهكذا، فإن «وَقّف البيضة فـ الطّاس» لا تعني فقط: أحسن التدبير. إنها، في قراءتها الاستراتيجية، تعني أيضًا: اعرف أين تضع قضيتك حتى تصبح قابلة للحسم.
فليس كل نزاع يُحسم بكثرة التصريحات، ولا كل قضية تُدار إلى ما لا نهاية عبر المفاوضات. أحيانًا تكون الحكمة في معرفة اللحظة التي ينبغي فيها الانتقال من فضاء الجدل إلى فضاء المؤسسات، ومن الخطاب السياسي إلى الحجة القانونية، ومن محاولة الإقناع إلى طلب الفصل.
– فلسفة الحسم:
إن أخطر ما يمكن أن يقع فيه صانع القرار هو أن يخلط بين امتلاك الحق وامتلاك القدرة على تثبيت الحق.
فالحق، مهما كانت قوته الأخلاقية أو السياسية، يحتاج إلى حامل مؤسسي يستطيع تحويله من فكرة إلى حجة، ومن حجة إلى ملف، ومن ملف إلى قرار قابل للاحتجاج والتنفيذ.
وهنا تتجلى فلسفة المثل الشعبي. فالذي «وقّف البيضة فـ الطاس» لم ينتصر على قوانين الطبيعة؛ بل اكتشف شروط التوازن.
وهذه، في جوهرها، هي وظيفة القيادة الاستراتيجية: ليست أن تصطدم دائمًا بالعوائق، وإنما أن تفهم بنية العائق، وتكتشف نقطة ضعفه، وتعيد ترتيب عناصر المشهد بحيث يصبح الحل ممكنًا.
لذلك، فإن استعمال الأدوات القانونية والتحكيمية عندما تستنفد الوسائل التفاوضية لا يمثل بالضرورة تصعيدًا؛ بل قد يكون، في حالات معينة، نقلة من إدارة النزاع إلى مؤسسته. وهنا يصبح المثل الشعبي أكثر حداثة مما يبدو.
«وَقّف البيضة فـ الطّاس» ليست مجرد عبارة ساخرة من براعة شخص في تثبيت شيء يبدو مستحيلًا؛ إنها استعارة عن القدرة على صناعة نقطة التوازن، وعن معرفة المكان الذي تصبح فيه الحجة أقوى من الضجيج، والمؤسسة أقوى من السجال، والقرار أقوى من الموقف.
ففي السياسة كما في القانون، ليست العبرة دائمًا بمن يرفع صوته أكثر، وإنما بمن يعرف أين يضع البيضة، وفي أي طاس، وبأي أدوات، وفي أي لحظة.
وهذه هي، في نهاية المطاف، فلسفة الحسم.
______
*الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّهِ مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، يهتم بقضايا الدولة والمجتمع والسياسات العموميّة والتنمية والتحوّلات السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة.
له عدة إسهامات فكريّة ودراسات ومقالات في الشأن المغربي والعربي والإسلامي.
ومن أبرز مؤلفاته: «الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية» (2000)، و«الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة» (2015)، و«الفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة» (2020).





