“7 أكتوبر” وإعادة صياغة مفهوم القوة المطلقة

 

 

 

 

نجيبة بن حسين
أستاذة جامعية تونسية في العلوم القانونية والسياسية والعلاقات الأوروبية المغاربية

 

مضت ثلاث سنوات على ملحمة السابع من أكتوبر، عملية عسكرية لم يشهد لها تاريخ النضال الفلسطيني مثيلاً، جعلت العالم، لا العدو الصهيوني فحسب، مندهشا ومصدوما من الصور التي تواترت لانتصارات حققتها حركة المقاومة الاسلامية (حماس) وبقية الفصائل المقاومة في معقل العدو وفي ميدانه، وقد ذكّرته بأن لا وجود لقوة مطلقة، وأن للقوة حدوداً، وأن كبواته وسقطاته بدأت تظهر للعيان، وتجعله في موقف حرج ومهين. لم تكن مجرد هزيمة تكتيكية آنية، بقدر ما كانت هزة عنيفة مزلزلة للكيان المحتل، ترتبت عنها إعادة نظر وتدقيق في مكامن الضعف والوهن التي أوصلته إلى هذا المأزق، وجعلته يبدو مهزوماً، ففرط القوة الذي طالما تباهى به تداعى عند أول اختبار جدّي لقدراته العسكرية والاستخباراتية، إذ تبين أن عدم التكافؤ في موازين القوى بين طرفي النزاع وهم سوقته آلة الحرب الإسرائيلية، وجعلته يتحوّل الى قدر محتوم لشعوب المنطقة وحكامها، حتى لا يتجرؤا وينجرّوا إلى مواجهة مفتوحة معه. وكانت نتيجة ملحمة السابع من أكتوبر أن الشعوب المقهورة والمهمّشة تابغت تفاصيل معارك يوميا على الشاشات والمواقع الالكترونية والوسائط الاجتماعية، وتهلل لكل انتصار، وإن بدا اعتبارياً وبسيطاً، وتجزع لكل خسارة أو انتكاسة، وتتملكها كل مشاعر الحزن والألم والسخط لمشاهد القتل والتشريد والتجويع والتنكيل لأهل قطاع غزّة ولصور الدمار الشامل لمعالم الحياة، ما جعل الأمر يتحوّل تدريجيّاً إلى إبادة جماعية مقصودة ومدبرة وملفوفة بغطاء سياسي سافر وبشع، إبادة موثقة بالصوت والصورة والتقارير الدولية، عجزت عن مقارعتها الهيئات والمنظمات الأممية، وكشفت قصور القانون الدولي، بكل ما يستبطنه من آليات ومنظومات حقوقية، عن زجر الجرائم المرتكبة في قطاع غزّة ومعاقبة مرتكبيها وردعهم. كما فضحت الحرب على غزّة وتجويع شعبها وتقتيله خذلان الحكام العرب وعجزهم عن نصرة الشعب الفلسطيني، ولو بالحد الأدنى من المقاطعة للكيان الصهيوني وعزله دولياً، وفتح المعابرالتي تربط القطاع بالعالم الخارجي، بل تجاوز الأمر الخذلان ليتحوّل إلى تواطؤ ومشاركة بينة في عملية الإبادة والتصفية لحركات المقاومة، ولكل نفس حر مناضل ومناوئ للصهيونية العالمية، فهرول المطبّعون لبيت الطاعة الأميركي يزكّون أعماله ويعاضدونه في العلن والخفاء.

وفي الوسع بعد مرور ثلاث سنوات رصد تداعيات “السابع من أكتوبر” الذي كان نقلة استراتيجية نوعية وعميقة في العلاقات الدولية وفي موازين القوى وفي الخريطة الجيوسياسية المقبلة، ففي ما يتعلق بقطاع غزة لا يزال مصيره لم يحسم ولم يحل السلام والأمن فعليا بأهله، فالضربات العسكرية الإسرائيلية عليه وسياسات غلق المنافذ والمعابر والتشريد والتهجير مستمرّة، مخلفة حرب استنزاف طويلة الأمد وسياسة تطهير عرقي واستئصال للشعب الفلسطيني من أرضه بصورة ممنهجة ومعسكرة، تتجاوز حدود القطاع، لتشمل الضفة الغربية وبقية الأراضي المحتلة. ومعاناة الشعب الفلسطيني وصبره الاسطوري أصبحا يضرب بهما المثل، فلم يذق أيٌّ من شعوب العالم ما كابده هذا الشعب منذ عقود من قهر وظلم وتشريد وإبادة، لكن الحروب المصيرية التي تخوضها شعوب تحمل على عاتقها الدفاع عن الأمة والأرض والعرض لا تحسمها بضع سنوات أو بعض المعارك، وإن بدت مفصلية.

كان السابع من أكتوبر نقلة استراتيجية نوعية وعميقة في العلاقات الدولية وفي موازين القوى وفي الخريطة الجيوسياسية المقبلة

من الجلي أن بشائر الحسم بدأت تلوح في الأفق الإقليمي، وإن بدت متشعبة وموغلة في التعقيد، فالمشهدان، الإقليمي والدولي بإرهاصاتهما ومخاضاتهما العسيرة، يوحيان بأن تحولات كبرى ستشهدها منطقة الشرق الأوسط والعالم بأسره، فالغليان السياسي والعسكري والأيديولوجي انطلق من الحرب يين روسيا وأوكرانيا والحرب على إيران وغيرهما من الحروب الداخلية المستعرة في دول عديدة، تمثل، في واقع الأمر، امتدادا لها من حيث إنها حروب دولية بالوكالة تتنافس فيها القوى العظمى وتلك التي تبحث لها عن موطئ قدم من النفوذ والسلطة في العالم الجديد. وحربا السودان واليمن مثالان لهذا العمق الاستراتيجي للصراع. أما إيران التي اضطربت فيها حسابات الكيان الإسرائيلي وحليفه الأميركي فقد أضحت مأزقا مؤرّقا لهما، باعتبار أن تداعيات الحرب تجاوزت الأطراف المباشرة لها، لتشمل العالم بأكمله وتجعله يتخبّط في أزماتٍ لا نهاية لها نتيجة الخيارات والمغامرات غير محسوبة العواقب لمجنوني العظمة، نتنياهو وترامب. أما الحرب بين روسيا وأوكرانيا فإنها امتحان طال أمده لموازين القوة في العالم بين غرب يتاكل وتتعمّق هشاشته وشرق يتصاعد وتتوسع مناطق نفوذه، فهذه الحرب أنهكت الاتحاد الأوروبي وأضعفته وأبانت الوهن والضعف في سياساته الخارجية، وبصورة خاصة الدفاعية والعسكرية. ودفعت أيضا نحو إعادة النظر في دور حلف شمال الأطلسي (ناتو) وموقعه حلفاً عسكرياً أنشئ للدفاع عن مصالح الدول الغربية الليبرالية في مواجهة المعسكر الشرقي بزعامة الاتحاد السوفييتي قبل تفكّكه وانهياره، ما يجعل أيضاً الرهان الحالي الذي تخوضه الدول غير منحصر في الاقتصاد والسلاح بل يشكل أيضاً رهاناً أيديولوجياً وثقافياً وصراع قيم وثقاقات وإرادات لكسر هيمنة الثقافة الغربية التي شيدت على أنقاض الإمبراطوريات الاستعمارية لابتكار مسوّغات وآليات مستجدّة ومقنعة لنهب الشعوب والسيطرة على مقدراتها واستلابها فكرياً وثقافياً تحت مسميات الديمقراطية وحقوق الإنسان والحرية والتنمية والرفاه.

كما تجلى الرهان الاقتصادي الجديد في كسر الأحادية الراسمالية الغربية بمؤسساتها المالية وشركاتها العابرة للقارات المتحكمة في مصائر الشعوب والدول، وببروز أقطاب اقتصادية جديدة أضحى الخطر يهدد هذه الرأسمالية المتوحّشة، فمجموعة بريكس مثال لفك الارتباط عن الكيانات والمؤسّسات الرأسمالية النافذة، والبحث عن البدائل الاقتصادية والتنموية الأقل استغلالا وتحكيما لمنطق القوة والهيمنة والتبعية، حيث تحكم علاقات الدول المنضمة لها مبادئ المساواة وعدم التدخل والمنفعة المتبادلة، فكيف لا يكون السابع من أكتوبر محرّكاً لهذا المخاض العالمي، رغم ما يحمله من وجع وألم ومآسٍ لن تمحى آثارها، لكنه نجح في استنزاف العدو الإسرائيلي، وكشف بشاعته أمام العالم، وأضحى قادة هذا العدو مجرمي حرب مطلوبين للعدالة الدولية، تهجر مجالسهم ومنابرهم، ودفع شعوباً إلى صحوة لا مثيل لها لينتفضوا مساندين حق الشعب الفلسطيني في الحرية والكرامة، ومؤكدين عدالة قضيته، ولتتحرّك أساطيل الصمود نصرة له، متحدّية الجيش الإسرائيلي الأكثر إجراما، فحصّنت بذلك القضية من النسيان والتغييب والتصفية والإجهاض، وأعيدت صياغة الرواية لتكون أكثر صدقا ومطابقة للواقع والتاريخ، وكسر جدار الخوف الذي ظل دائماً يكبل الشعوب ويعرقل نهضتها، وهذه مكاسب لم تكن لتتحقق لولا شجاعة أبطال السابع من أكتوبر وبسالتهم والصمود الأسطوري للشعب الفلسطيني.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا

شاهد أيضا